هزيمة أمريكا بحرب إيران وتحولات المنطقة

بقلم| أمة الملك الخاشب
تشهد المنطقة والعالم تحولًا تاريخيًّا متسارعًا يعيد رسم خارطة النفوذ الدولي والإقليمي.
فبينما تتهاوى أوهام الهيمنة الأمريكية أمام صخرة الثبات الإيراني، تبرز جبهات إسناد ومحاور مقاومة تفرض معادلات جديدة للسيادة والكرامة، وهي تحولات تجد جذورها العقائدية والسياسية في مدرسة الهجرة النبوية الشريفة التي أطلت مع مطلع العام الهجري الجديد 1448هـ.
وقد تجلت ملامح هذا التحول الاستراتيجي في الإقرار الغربي والعبري الصريح بالعجز؛ إذ اعتبرت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية في تقريرها الصادر بتاريخ 17 يونيو 2026، أن الهزيمة التي مُنيت بها واشنطن في مواجهتها مع إيران لا تشبه أية هزائم عسكرية سابقة، بما في ذلك الخسارة المدوية في حرب فيتنام.
وأكّـدت المجلة أن قرار ترامب خوض هذه المواجهة قاد إلى نتائج عكسية أضعفت المكانة الأمريكية، وعجزت عن وقف البرنامج النووي أَو كسر معادلة الردع الصاروخية والبحرية الإيرانية في مضيق هرمز.
هذا التخبط تجسد في تناقضات المجرم ترامب ونظرته المادية الاستعلائية، حَيثُ تحول من لغة التهديد والوعيد والتركيع إلى التراجع وتغيير الشروط فور إعلان باكستان قرب توقيع اتّفاقية استراتيجية مع طهران، خوفًا من تشكل أحلاف شرقية تنهي النفوذ الغربي.
وفي السياق ذاته، واكبت مراكز الدراسات والصحف العبرية (مثل تقارير معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيليINSS الصادرة في يونيو 2026) هذا التراجع، مؤكّـدة أن انكسار الردع الأمريكي أمام طهران ترك كيان الاحتلال الصهيوني مكشوفًا استراتيجيًّا في مواجهة القوة المتصاعدة للمحور وتثبيت معادلة “وَحدة الساحات”.
التلاحم الإقليمي ومعركة السيادة الكاملة لليمن
بالتزامن مع هذه التحولات التاريخية ومع حلول ذكرى الهجرة النبوية الشريفة، حمل الموقفُ الرسمي الصادر من العاصمة صنعاء أبعادًا سياسية وعقائدية عميقة؛ حَيثُ توجّـه السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي والرئيس مهدي المشاط بالتَّهاني والتبريك للجمهورية الإسلامية في إيران، قيادةً وشعبًا، بما تحقّق لها من نصر عظيم في مواجهة طاغوت العصر المستكبر (أمريكا وإسرائيل)؛ باعتبَاره ثمرة طبيعية للصمود والوعي الممتد من دروس الهجرة النبوية في تحطيم أسوار اليأس والإحباط.
وفي ذات السياق، أطلق السيد القائدُ معادلةً محلية وإقليمية حاسمة في بيانه التاريخي، تمثلت في دعوة كافة القوى على المستويين الرسمي والشعبي في اليمن للتعاون والتضافر للتصدي للاستهداف العدائي الشامل.
وتتجسد محدّداتُ هذه المعركة في السعي الحثيث لإنهاء احتلال المساحات الكبيرة من البلد من قبل قوى العدوان، واستعادة السيطرة الكاملة على الثروات الوطنية المنهوبة من نفط وغاز ليعود ريعها كاملًا لصالح أبناء الشعب اليمني.
كما شدّد على فرض السيادة الكاملة برًّا وبحرًا وجوًا، بإنهاء الحرب الاقتصادية والحصار، والتصدي لتجييش التكفيريين والمرتزِقة الذي يتحَرّك به تحالف العدوان بإشراف أمريكي وتنفيذ سعوديّ.
وتحمل هذه الموجهات تلميحًا وتصريحًا صارمًا لقوى التحالف (السعوديّ والإماراتي) المتواجدة في جنوب وشرق اليمن، بأن زمن السيطرة على القرار ومصادرة حقوق اليمنيين وثرواتهم قد انتهى دون رجعة.
انتفاضة اليمن في زمن الركود العربي
أعاد بيان السيد القائد تسليط الضوء على مقارنة واضحة وفاضحة تكشف حجم الفجوة والتباين في الوعي بين الشعب اليمني وبقية شعوب وحكام العالم العربي والإسلامي.
ففي الوقت الذي تتكرّر فيه الإساءَات الممنهجة والمستفزة للمقدسات الإسلامية، من حرق المصحف الشريف إلى التطاول على مقام الرسول الأكرم ﷺ، وُصُـولًا إلى إساءة المجرم ترامب إلى مكة المكرمة وانتهاك حرمة المسجد الأقصى، يمر هذا التطاول الصهيوني والغربي في ظل صمت عربي وإسلامي مطبق وركود شعبي مخزٍ، فرضته عقلية الخنوع والأنظمة المطبعة واللاهثة خلف التبعية.
وتتجلى المفارقة المؤلمة في هذا المشهد وكأن هذه المقدسات الإسلامية، والقرآن، والنبي الكريم، والكعبة المشرفة، شأن يخص اليمنيين وحدهم؛ حَيثُ ينفرد الشعب اليمني بالخروج المليوني الغاضب والمنظم إلى الساحات دون كلل، مستنفرًا كافة أدواته الإعلامية والسياسية لخوض مواجهة شرسة ضد هذا الاستهداف، متميزًا بالعمل الرقمي الدؤوب وفضح الخلفيات العدائية للغرب عبر الهاشتاقات الغاضبة والحملات التوعوية المُستمرّة التي تحاول بعث الروح واستنهاض ما تبقى من وعي في جسد “الشعوب الميتة”.
ولم يغفل السيد القائد في بيانه ربط هذا الطغيان والصلف الغربي بانحلاله القيمي والأخلاقي، مذكرًا بفضيحة [جيفري إيبستين] وشبكات الدعارة السياسية العالمية، ليؤكّـد للجميع أن النظام الذي يتطاول على مقدسات المسلمين ويمارس حرب الإبادة في فلسطين ولبنان واليمن وإيران، هو نظام ساقط تدار سياساته بالابتزاز والفساد الأخلاقي، مما يثبت حتمية مواجهته وعدم الركون إليه.
عقيدة عاشوراء ونداء الالتحاق بمحور الجهاد والمقاومة
مع إطلالة العام الهجري 1448، يتكامل تزامُن ذكرى الهجرة النبوية ومرحلة التأسيس الأولى مع الاستعداد لإحياء ذكرى عاشوراء وثقافة التضحية الحسينية في مواجهة الطغيان.
هذا التلاحم العقائدي يمثل الوقود الفكري لجمهور المقاومة الذي يرفض الانصياع لقوى الجاهلية المعاصرة ويرسخ مبدأ “هيهات منا الذلة”، محولًا كربلاء من مُجَـرّد حدث تاريخي إلى منهج عملي وصمود مُستمرّ يرفض القبول بأنصاف الحلول أَو الخضوع للإملاءات الاستكبارية.
وفي هذا السياق المفصلي، جاء النداء الحاسم للسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي بدعوة الجميع -من المسلمين وكافة أحرار العالم- إلى الالتحاق بمحور الجهاد والمقاومة، والخلاص من الارتهان والخضوع لأعداء الإسلام الذين لا يريدون للأُمَّـة أي خير.
وأكّـد البيان على تعزيز الأُخوّة الإسلامية ومبدأ وحدة الساحات، معلنًا الجهوزية اليمنية المُستمرّة تجاه أي تصعيد أَو تطورات يسعى من خلالها العدوّ الأمريكي والإسرائيلي لاستهداف المنطقة، أَو السعي للانفراد بغزة العزة من جديد، أَو أية ساحة من ساحات محور القدس والجهاد، لتظل جبهة اليمن صلبة في خياراتها، متمسكة بهُويتها الإيمانية حتى انتزاع الحرية الكاملة لكل شبر محتلّ.


