استراتيجية الردع التماثلي.. نحو إنهاء حرب الإبادة والمأساة الإنسانية

بقلم/ إبراهيم محمد الهمداني
طالما لعب الكيان السعودي المتصهين، دور الوكيل الاستعماري في المنطقة العربية والإسلامية، محاكيا طريقة أسياده الغرب الاستعماري، في ممارسة الوصاية والأبوية البطريركية، على شعوب العالم، وقد غلَّف قبح هذا الدور التسلطي، باستغلال قداسة المكان (الحرمين الشريفين)، التي حولها إلى شرعية مطلقة، لاستحقاقه المزعوم في الحكم والسيادة والقداسة، حيث يصبح الخروج عليه أو انتقاده، خروجا على الدين برمته، وعداء صريحا لحامي الحرمين، بهدف تعطيل دوره في الحماية والرعاية (المزعومة) للمقدسات، كما استند إلى الوفرة المالية واستنزاف خيرات البلاد والعباد، لشراء الولاءات والذمم وإسكات الأصوات وقمع المعارضين والمخالفين، ومن خلال سلطة الدين وسلطة المال، مضى في لعب الدور الخياني الهدام القذر، بحق الإسلام والمسلمين على مدى عقود، في ظل تغاضٍ عربي إسلامي شبه جمعي، لكن قناع الوكيل الاستعماري السعودي، قد سقط في عدوانه وحصاره الإجرامي الوحشي، بحق أبناء الشعب اليمني على مدى عقد من الزمن، رغم عدم مشروعية ذلك العدوان والحصار ابتداء.
ورغم هزيمة الوكيل الاستعماري السعودي، وفشل مخططاته ومشروعه في اليمن، إلا أنه استمر في ممارسة حصاره الإجرامي الظالم، جاعلا منه أداة إجرامية واستراتيجية ممنهجة، بهدف تجويع وتركيع وقتل شعب بأكمله، وتقييد حريته وحرمانه من أبسط حقوقه، ومنع وصول الغذاء والدواء، وإغلاق مطاراته وموانئه ومنافذه البرية والبحرية وأجوائه، جاعلا من الجغرافيا اليمنية سجنا كبيرا، يتعرض قاطنوه للتجويع والحصار والموت البطيء، في أكبر وأسوأ مأساة إنسانية بحق شعب بأكمله، على مرأى ومسمع من العالم، حتى في ظل جنوح كيان العدوان السعودي إلى ما سمي “خفض التصعيد”، إلا أن الحصار الظالم لم يرتفع، حسب ما هو متعارف عليه، بل استمر وازداد وطأة وقسوة ووحشية، واستمر توظيف الحصار كورقة ضغط وابتزاز سياسي، في سياق التوظيف الاستعماري الغربي، الذي يستخدم الحصار كسياسة عقاب جماعي، بهدف كسر إرادة الشعوب وتركيها، من منطلق حق الوصاية الاستعمارية الاستعلائية.
إن التداعيات الإنسانية الكارثية، الناتجة عن ذلك الحصار الظالم، لم تقف عند مستوى أو حد معين، بل امتدت لتشمل جميع جوانب الحياة، ومثلت حرب إبادة جماعية بحق 30 مليون إنسان، تم حرمانهم من الحصول على المواد الغذائية الأساسية والدواء، وضروريات الحياة، وأبسط الحقوق الإنسانية المكفولة، والمنع من السفر والعلاج، إضافة إلى قطع المرتبات ونقل البنك المركزي، وانهيار المنظومة الصحية والخدمية عامة، وتردي المستوى المعيشي الذي شارف على حدوث المجاعة، حتى أن نسبة 90% من أبناء الشعب اليمني، يعيشون تحت خط الفقر، وأكثر من مليوني طفل تحت سن الخامسة، يعانون حالة سوء التغذية الحاد، ويمكن القول إن الحصار السعودي الإجرامي الظالم، يمثل الوجه الآخر لحرب الإبادة والمجازر الجماعية، التي خلفتها طائرات الحقد والإجرام السعودي.
وبعد فشل المفاوضات والتحركات الدبلوماسية، عن حلحلة القضايا والملفات الإنسانية، في ظل مراوغة العدو السعودي، وتهربه من تنفيذ استحقاقات السلام، مقتديا بنهج أسياده الصهاينة التفاوضي، وهو ما نفد معه صبر اليمنيين، وعلا صراخهم بضرورة انتزاع حقوقهم وحريتهم وسيادتهم، مفوضين القيادة الثورية والسياسية والعسكرية، في اتخاذ القرار المناسب لذلك، وكانت تحذيرات السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي يحفظه الله، للعدو السعودي المجرم بضرورة الإصغاء لمطالب الشعب اليمني، وفي ذات السياق جاءت المواقف السياسية والعسكرية، متماهية مع مطالب الشعب وقرارات السيد القائد يحفظه الله، ومعبرة عن إرادة الشعب وعزمه على انتزاع حقوقه بالقوة، وكان الخروج الشعبي المليوني الحاشد، في مختلف الميادين اكثر من مرة، بمثابة التأييد المطلق والتفويض الكامل للقيادة، وإعلانا عن الاستعداد الكامل والجهوزية العالية، لخوض معركة التحرير المقدس، ورفد الجبهات بالمال والرجال وكل ما يلزم.
مثلت “معادلة الحصار بالحصار”، التي أعلن عنها السيد القائد يحفظه الله، المنعطف الاستراتيجي الأبرز في مسار المواجهة بين اليمن والسعودية، وقد دخلت حيز التنفيذ، بإعلان بيان القوات المسلحة اليمنية، بتاريخ الاثنين 6 صفر 1448هـ، الموافق 20/ 7/ 2026م، عن بداية تنفيذ حظر الملاحة البحرية على العدو السعودي، وتفعيل معادلة الحصار بالحصار، من خلال القيام بحظر بحري شامل، على جميع الموانئ السعودية، رداً على الحصار المفروض على اليمن، منذ قرابة اثني عشر عاماً، مؤكدة أن التصعيد سيُواجه بالتصعيد، وتأتي هذه المعادلة استجابة لمطالب الشعب اليمني، وتتويجا لجهاده وصموده وصبره وتضحياته، وإحقاقا لحقوقه الانسانية المستحقة الثابتة، وقطعا لمسار طويل من التعنت السعودي والمراوغة، وقد لخص قائد الثورة، السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي يحفظه الله، “استراتيجية الردع التماثلي” اليمنية الجديدة، واضعاً معادلة واضحة كالشمس، لا لبس فيها: “المطارات بالمطارات، والموانئ بالموانئ، والحصار بالحصار”، وقد تجسدت هذه الرؤية على أرض الواقع، في بيان القوات المسلحة اليمنية المذكور، القاضي بفرض حظر للملاحة البحرية على السعودية، مُعلناً بدء حقبة جديدة لا مهادنة فيها، يتم فيها قطع الشريان الاقتصادي للعدو، رداً على إغلاقه لمنافذ اليمن.
إن هذه الخطوة الاستراتيجية، لا تمثل مجرد رد فعل دفاعي، بل هي انتقال من التموضع في مربعات الدفاع، إلى فضاء المواجهة المباشرة والتصعيد الشامل؛ “معادلة الحصار بالحصار”، وبذلك يؤكد الشعب اليمني، أنه ومن موقعه الجغرافي، الحاكم والمطل على الممرات المائية الاستراتيجية، يمتلك أوراق ضغط حقيقية، قادرة على إعادة رسم الخارطة الاقتصادية والسياسية في المنطقة، وأن ملايين البراميل من النفط، التي تصدرها السعودية يومياً عبر سواحلها، أصبحت اليوم في مرمى الصواريخ والمسيرات اليمنية، وهو ما يفرض على النظام السعودي، التخلي عن عنجهيته ومراجعة حساباته، وفهم أن الزمن الذي كان فيه يُحاصر اليمن، دون أن تطال نيران الرد منشآته الحيوية، قد ولّى إلى غير رجعة، وأن رهانات السعودية على الحماية الغربية الأمريكية، قد سقطت بعجز أمريكا عن حماية نفسها، وهزيمتها أمام القوات المسلحة اليمنية، ولذلك على الكيان السعودي أن يعي أن أي تصعيد، سيقابل بتصعيد أوسع وأقسى من اليمن.
يمكن القول إن الحصار السعودي على اليمن، ليس سوى حلقة من حلقات الهيمنة الاستعمارية، غير أن التاريخ يعلمنا أن مثل هذه الاستراتيجيات، مهما بلغت قسوتها وتوحشها، لم ولن تكسر شعباً اختار طريق العزة والحرية والكرامة، وإن “معادلة الحصار بالحصار”، ليست سوى ترجمة فعلية لإرادة شعب أبيّ، قرر أن ينتزع حقوقه السيادية بقوة السلاح، وبذلك أثبت اليمنيون – كعادتهم – أن انتزاع سيادة البلد ومقدراته، ليست مجرد شعارات، بل هي تحرك رسمي وشعبي، بما يمثل من قوة ضاربة في وجه غطرسة المعتدين، وستبقى صرخات التحذير والنفير، التي تطلقها الجماهير اليمنية، هي البوصلة التي توجه مسار المعركة، حتى كسر الحصار بالكامل، واستعادة كافة الحقوق المنهوبة، مهما بلغت التضحيات.


