أخبار وتقاريرأهم الأخبارعربي ودولي

مجزرة الطائرات.. سماء إيران تُسقط غرور أمريكا و”ترامب” يقع في فخ “كارتر”

شهارة نت – نوح جلّاس:

مع توالي الصفعات التي تتلقاها الولايات المتحدة، وعلى وقع تساقط طائراتها في سماء الجمهورية الإسلامية في إيران، تعود إلى الذاكرة واقعة أليمة لم تغب عن الوعي الأمريكي منذ نحو 47 عاماً، وكأن التاريخ ينهض من رماده ليعيد نفسه بتفاصيل أكثر قسوة؛ حيث الطائرات ذاتها، والمصير ذاته، والنتيجة ذاتها: هزيمة مدوية تلاحق البيت الأبيض، وتضع دونالد ترامب على المسار ذاته الذي انتهى إليه الرئيس الأمريكي “جيمي كارتر” قبل قرابة خمسة عقود.

فبعد أن تمكنت الجمهورية الإسلامية من إسقاط أحدث المقاتلات الأمريكية، وآخرها الطائرة المتطورة “إف-15″، وفشل واشنطن في إنقاذ طيارها، اندفع ترامب في محاولة لاحتواء الصدمة عبر إرسال مروحيات وطائرات متعددة لتنفيذ عملية إنقاذ عاجلة، غير أن المشهد انقلب إلى كارثة مضاعفة؛ حيث تحولت سماء إيران إلى محرقة مفتوحة، تهاوت فيها المروحيات والطائرات تباعاً تحت نيران الدفاعات الجوية، لتتساقط معها هيبة القوة الأمريكية، ويتحول الطيارون والجنود إلى ضحايا إضافيين في مشهد يعيد إلى الأذهان تفاصيل كارثة “طبس” عام 1980.

هذه الصفعات المتجددة تحولت بالنسبة للأمريكيين إلى لحظة يقين تاريخي تؤكد أن إيران لم تعد ساحة مفتوحة للعربدة الأمريكية، وأن أي مغامرة عسكرية ستكون مقرونة بكلفة مضاعفة، تتجاوز حدود الخسائر البشرية والمادية إلى تحطيم الصورة التي بنتها واشنطن لنفسها طوال عقود.

وفي هذا السياق، جاء تعليق قائد فيلق القدس إسماعيل قآني ليضفي بعداً رمزياً عميقاً على المشهد، حين ربط بين ما جرى اليوم وما حدث في “طبس”، مؤكداً أن “أعمدة الدخان المتصاعدة من جنوب أصفهان هي امتداد لتلك الواقعة”، في إشارة واضحة إلى أن التاريخ يُستكمل في سياق واحد من الهزائم الأمريكية المتكررة.

ومع تزامن هذه التطورات مع ذكرى “طبس”، تبدو العودة إلى تلك اللحظة التاريخية ضرورة لفهم ما يجري اليوم. فبعد انتصار الثورة الإسلامية، وما تبعه من اقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز عدد من قوات المارينز والأجهزة التجسسية وباقي طاقم السفارة التي تتخذ منها واشنطن وكراً للتجسس، دخلت الولايات المتحدة في حالة ارتباك استراتيجي، دفعتها إلى تنفيذ عملية عسكرية سرية عُرفت بـ “مخلب النسر”، في محاولة لإنقاذ رهائنها واستعادة هيبتها، وذلك في أبريل العام 1980.

غير أن تلك العملية، التي خُطط لها بعناية فائقة واستمرت التحضيرات لها لأشهر طويلة، انتهت بكارثة غير مسبوقة في صحراء “طبس”، حين اصطدمت المروحيات والطائرات الأمريكية ببعضها البعض وسط عاصفة رملية مفاجئة، لتتحول المهمة إلى فضيحة مدوية قُتل فيها عدد من الجنود، وانكشفت معها هشاشة القوة الأمريكية أمام ظروف لم تكن في الحسبان، فيما رأى العديد أن المشهد آنذاك يبدو كمعجزة لإسقاط مؤامرة أمريكا التي كانت تتجاوز إنقاذ الرهائن إلى استهداف منزل الإمام الخميني.

ذلك الفشل شكل نقطة تحول في تاريخ الولايات المتحدة؛ إذ ألحق ضرراً بالغاً بسمعة مؤسساتها العسكرية، وكان أحد العوامل الحاسمة في سقوط إدارة الرئيس الأمريكي آنذاك “جيمي كارتر”، التي وجدت نفسها عاجزة أمام تداعيات الهزيمة.

اليوم، تتكرر الصورة ذاتها، ولكن بأدوات أكثر تطوراً وسياق أكثر تعقيداً، فالمشهد الحالي يتجاوز إسقاط الطائرات وفشل عمليات الإنقاذ ليشمل ارتدادات أعمق تضرب بنية القرار الأمريكي؛ حيث تتزامن هذه الخسائر مع تصدعات داخلية متصاعدة، تجلت في موجة إقالات واستقالات طالت كبار القادة العسكريين، في مؤشر واضح على حجم الأزمة التي تعيشها واشنطن.

وبين الماضي والحاضر، يتضح أن العامل الحاسم لم يتغير؛ إذ إن إرادة المواجهة الإيرانية مقابل غرور القوة الأمريكية ما تزال حاضرة بقوة، فكما انهارت عملية “طبس” رغم كل ما أحاط بها من تخطيط، تتهاوى اليوم العمليات الأمريكية تحت وطأة معادلات ردع جديدة فرضتها إيران في ميدان المعركة، ووسعت تأثيراتها إلى عمق التوازنات الدولية.

وفي ضوء ذلك، فإن التطورات الحالية تعيد رسم ملامح الصراع، وتؤكد أن الولايات المتحدة، التي كانت تملي قواعد الاشتباك، باتت اليوم تخضع لها، بينما تتآكل قدرتها على فرض إرادتها، وتتسع فجوة العجز بين طموحاتها وواقعها.

وبهذه المعطيات، فإن ما جرى في سماء إيران اليوم يوازي ما حصل في “طبس” الأمس؛ فكلاهما يعكسان لحظة انهيار للقوة الأمريكية، وكلاهما يضع القيادة في واشنطن أمام اختبار وجودي، قد تكون نتائجه هذه المرة أكثر قسوة على ترامب، في ظل معادلات تُكتب في طهران ومراكز قوى المحور، وليس في البيت الأبيض.

المسيرة نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com