كعبة الله

بقلم/ أحمد ناصر البحري
العدوان السافر الذي تجرأ عليه المجرمُ “ترامب” بالتطاولِ على مكةَ المكرمةِ والكعبةِ المشرَّفةِ أكثر من مُجَـرّد نوبةِ غضبٍ عابرةٍ أَو طيشٍ سياسيٍّ طارئٍ يصدرُ عن شخصٍ مفلسٍ أخلاقيًّا.
هو إعلان حربٍ شاملةٍ وتعبيرٌ صريحٌ عن عقيدةٍ شيطانيةٍ تستبطنُها دوائرُ الاستكبار العالميِّ ضدَّ هُويةِ الأُمَّــة وروحِها.
فالمسألةُ هنا تخرجُ من دائرةِ الفعلِ الفرديِّ لتنتظمَ في سياقِ استراتيجيةٍ صهيونيةٍ خبيثةٍ تسعى لكسرِ حاجزِ الهيبةِ والمقدساتِ في وجدانِ مليارَي مسلم، وذلك عبرَ استهداف المرتكزاتِ الروحيةِ التي تمدُّ الأُمَّــة بمددِ الصمودِ والاستعلاء الإيماني.
فكما كان حرقُ القرآن الكريمِ محاولةً لاستئصالِ الدستورِ الإلهيِّ من واقعِ الحياةِ، تأتي الإساءة للكعبةِ المشرَّفةِ بوصفِها رمزًا لسيادةِ اللهِ في الأرض ومحورَ اجتماع المؤمنين، ليكونَ حلقةً متصلةً في سلسلةِ المخطّطاتِ الراميةِ إلى إخضاع الأُمَّــة ذليلةً خانعةً أمامَ سطوةِ الطغيان.
إنَّ القراءةَ الفاحصةَ لهذا الواقعِ من وحيِ المسيرةِ القرآنيةِ تكشفُ لنا أنَّ هذا المجرمَ ليس إلا واجهةً قبيحةً لنظامٍ عالميٍّ متهالكٍ يرتجفُ من عظمةِ الإسلام ويخافُ من نهوضِ الشعوبِ المستضعفةِ التي استعادتْ وعيَها وبدأتْ تتحرّر من قيودِ الارتهان السياسيِّ والفكريِّ.
“ترامب” ومن خلفهُ أربابُ “جزيرةِ إبستين” ومنظوماتُ الفسادِ الصهيونيِّ التي تعيثُ في الأرض فسادًا، يعلمونَ يقينًا أنَّ الكعبةَ هي قلبُ الأُمَّــة النابضُ الذي يضخُّ في شرايينِ أحرار العالمِ معاني العزةِ، والكرامةِ، والرفضِ القاطعِ لكلِّ أشكالِ الهيمنةِ الاستعمارية.
لذا فهم يمارسونَ هذا البغيَ؛ لإخفاء عجزهم عن مواجهةِ الحقِّ الذي باتَ يزلزلُ عروشَ طغيانِهم.
وتأسيسًا على ذلك، فإنَّ هذا الاستفزاز الحقيرَ هو برهانٌ قاطعٌ على أنَّ هؤلاءِ القومَ قد تجاوزوا كُـلّ الخطوطِ الحمراءِ الأخلاقيةِ والإنسانية، ووصلوا إلى حالةٍ من الانحطاط الروحيِّ التي تجعلهم يظنونَ واهمينَ أنَّ بإمْكَانهم تدنيسَ أقدسِ المقدساتِ دون أن تطالهم نارُ الغضبِ الشعبيِّ واليقظةِ الإيمانيةِ التي توقدُها اليومَ شعلةُ المسيرةِ القرآنيةِ في كُـلّ ساحةٍ وميدان.
إنَّها معركةُ “صراعِ الإراداتِ” التي لن تنتهيَ إلا بسقوطِ أصنام الكفرِ الحديثةِ وتهاوي مشاريعهم على صخرةِ ثباتِ هذه الأُمَّــة التي استوعبتْ دلالاتِ هذا العدوانِ، وأيقنتْ أنَّ الدفاعَ عن الكعبةِ والمصحفِ هو معيارُ التحرّر من التبعيةِ، وشرطُ السيادةِ الحقيقيةِ في عالمٍ لا يحترمُ إلا الأقوياءَ المتمسكين بهويتهم.
فليعلمْ “ترامب” وكلُّ من سارَ في فلكِ الصهيونيةِ المجرمةِ أنَّ استفزازهم لمكةَ ليس سوى مسمارٍ إضافي في نعشِ هيمنتِهم، وأنَّ الأُمَّــة التي تقدِّسُ بيتَ اللهِ قد أعدَّتْ عُدَّتَها وعزَّزتْ وعيَها لتكونَ سدًّا منيعًا يحمي عقيدتَها ويجتثُّ جذورَ الطغيانِ العالميِّ من أَسَاسه.
المرجو أن تتحوَّلَ رَدَّاتُ الفعل على هذا البغي إلى إعصارٍ يقتلعُ كُـلّ مخطّطاتِهم التآمريةِ ويفضحُ حقيقةَ مشاريعِهم التي قامتْ على أنقاضِ القيمِ وسرقةِ الأوطان وانتهاك حرماتِ المقدساتِ بصلفٍ لا يعرفُ إلا لغةَ الاستكبار التي أزِفَ وقتُ نهايتِها واندحارِها أمامَ زحفِ الحقِّ وإرادَة الأحرار المؤمنين.


