كتابات

باب المندب فرصة سيادية ضائعة.. لماذا يحتاج اليمن إلى قانون بحري الآن؟

بقلم/ علي أحمد شرف الدين

في قلب واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، يقف اليمن على ضفاف مضيق باب المندب، حيث تمر نسبة معتبرة من تجارة الطاقة العالمية وحركة الشحن بين الشرق والغرب، ومع ذلك، لا تزال هذه الميزة الجيوسياسية الهائلة غير مستثمرة بالشكل الذي يعكس قيمتها الحقيقية، لا اقتصادياً ولا أمنياً ولا حتى سيادياً.

المفارقة هنا أن القانون الدولي لا يقف عائقاً أمام اليمن، بل يمنحه أدوات واضحة وفعالة لإدارة هذا الممر الحيوي، لكن هذه الأدوات تحتاج إلى تفعيل داخلي عبر تشريع وطني ومؤسسات قادرة على التنفيذ.

ويبرز هنا تساؤل: ما الذي يسمح به القانون الدولي فعلاً؟

بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يخضع باب المندب لنظام “المرور العابر”، وهو نظام يضمن حرية الملاحة الدولية، لكنه في الوقت ذاته لا يلغي دور الدولة المشاطئة، بل ينظمه، فاليمن، بصفته دولة مشاطئة، لا يملك حق إغلاق المضيق أو فرض رسوم على مجرد المرور العابر، لكنه يمتلك صلاحيات حقيقية — وغالباً غير مستغلة — في مجالات التنظيم، السلامة، البيئة، والخدمات البحرية.

ويمكن ترجمة هذه المبادئ إلى نصوص قانونية وطنية واضحة، تنص على أنه: “لا يجوز فرض أي رسوم على المرور العابر بذاته، لكن يجوز ذلك التحصيل مقابل خدمات فعلية ومحددة تقدم للسفن، على أن تكون غير تمييزية وشفافة.”

وهنا تحديداً تكمن الفجوة بين ما يسمح به القانون، وما هو مطبق فعلياً.

ليست المسألة في فرض رسوم على السفن العابرة، فذلك محظور قانوناً، وإنما في بناء منظومة خدمات وسيطرة تنظيمية تجعل من المرور نشاطاً منظماً، آمناً، ومدفوع القيمة.

ومن هذا المنطلق يمكن لليمن عبر تشريع وطني واضح، أن يفرض خدمات إرشاد ملاحي للسفن عالية الخطورة (كالناقلات النفطية)، كما يحق له أن ينظم ممرات بحرية محددة تقلل الحوادث وتزيد القدرة على الرقابة، و كذا أن يطور بنية تحتية للمساعدات الملاحية (منارات، أنظمة تتبع، مراكز مراقبة).

وهو ما يمكن تأطيره قانونياً من خلال نص صريح يمنح الدولة حق تنظيم الممرات البحرية، من خلال اصدار قانون وطني ينص على أن “تتولى الجهة المختصة تحديد ممرات الملاحة البحرية، واعتماد نظم تقسيم حركة السفن، والتنسيق مع الجهات الدولية المختصة لضمان سلامة الملاحة، وكل ذلك مشروع قانوناً طالما أنه لا يعيق المرور العابر ولا يميز بين السفن.

المشكلة في غياب القانون محلياً

وحتى الآن، لا يوجد إطار قانوني يمني حديث ومتكامل ينظم إدارة المضائق وفق معايير القانون الدولي، والنتيجة أن:

– الخدمات البحرية شبه غائبة أو بدائية.

– الرقابة محدودة.

– الفرص الاقتصادية تضيع.

– الدور السيادي يتآكل عملياً.

وفي عالم تتنافس فيه الدول على إدارة الممرات البحرية، فإن الفراغ التنظيمي ليس حياداً، بقدر ما يمثل خسارة صامتة، فالفراغ الحالي ليس قدراً، وإنما نتيجة غياب إطار تشريعي واضح، رغم إمكانية صياغة مواد قانونية مباشرة تنظم الرقابة البيئية، كما يمكن أن ينص القانون على أن : “تلتزم جميع السفن العابرة بعدم تلويث البيئة البحرية، وتخضع لرقابة وتفتيش بيئي وفق المعايير الدولية المعتمدة.”

الحاجة إلى قانون بحري وطني شامل

وبناء على ما سبق، فإن ما يحتاجه اليمن هو قانون وطني شامل لإدارة الملاحة في المضائق والمياه الإقليمية، يستند إلى اتفاقية قانون البحار، ويحوّل النصوص الدولية إلى أدوات تنفيذية.

وهذا القانون يجب أن يتضمن ما يلي:

– تنظيم ممرات الملاحة واعتمادها دولياً.

– تحديد الخدمات البحرية القابلة للتحصيل المالي.

– وضع قواعد بيئية ملزمة للسفن العابرة.

– آليات واضحة للرقابة والتفتيش البحري.

– تحديد حالات التدخل الأمني ضمن القانون الدولي.

مثل هذا القانون يمكن أن يبدأ بنص تأسيسي واضح، ينص على إنشاء هيئة مستقلة، مثل أن: “تنشأ هيئة عامة تسمى الهيئة اليمنية لإدارة الممرات البحرية، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وتتولى تنظيم الملاحة وتقديم الخدمات البحرية وحماية البيئة.”

هيئة بحرية سيادية تدير كل ذلك

وهنا تبرز الحاجة إلى إنشاء: “الهيئة اليمنية لإدارة الممرات البحرية” التي ستكون المسؤولة عن:

– إدارة حركة السفن عبر نظام مراقبة متطور.

– تقديم خدمات الإرشاد والإنقاذ البحري.

– التنسيق مع المنظمات الدولية.

– حماية البيئة البحرية.

– تطوير البنية التحتية الملاحية.

– تحصيل الرسوم مقابل الخدمات.

بمعنى آخر: تحويل البحر من عبء أمني إلى قطاع سيادي منظم.

ووفقاً لما هو متاح قانوناً، فيمكن لليمن الاستفادة من مضيق باب المندب، ومنع التعسف في استخدامه، والدول التي نجحت في إدارة ممراتها البحرية لم تفعل ذلك عبر السيطرة القسرية، وإنما عبر التنظيم الذكي، والاستثمار في البنية التحتية، وبناء مؤسسات قادرة.

ولذا، فإن المسألة لم تعد نظرية، فالنصوص القانونية الممكنة واضحة وجاهزة، وما ينقص هو قرار سياسي سيادي يحوّلها إلى واقع، وحينئذ يمكن لليمن أن ينتقل من موقع “المشاهد على الممر” إلى “المنظم له” كما هو الحال في سنغافورة، فتجربة سنغافورة تقدم نموذجاً واضحاً لكيفية تحويل دولة مشاطئة لممر دولي، وتحويل موقعها الجغرافي إلى قوة اقتصادية.

وعلى الرغم أن سنغافورة لا تملك حق فرض رسوم على المرور في مضيق “ملقا”، إلا أنها نجحت في بناء منظومة خدمات بحرية متقدمة، وموانئ عالمية، جعلت من المرور الدولي مصدراً دائماً للدخل والسيادة التنظيمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com