كتابات

لبنان وإعادة رسم الأولويات الأمريكية

بقلم: عبدالله الحنبصي

تشهد منطقتنا العربية والإسلامية مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأبعاد السياسية والعسكرية والاستراتيجية، في ظل المشاريع الاستعمارية الجديدة المنضوية تحت مسمى “الشرق الأوسط الجديد” و“إسرائيل الكبرى”.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز محور المقاومة، الذي شكّل خلال السنوات الماضية أحد أبرز التحديات أمام الرؤية الأمريكية لإعادة تشكيل المنطقة.
على مدى عقود، سعت واشنطن إلى ترسيخ نفوذها في الشرق الأوسط ضمن تصور استراتيجي واسع، يقوم على إعادة ترتيب موازين القوى بما يخدم مصالحها ومصالح حلفائها، وفي مقدمتهم إسرائيل.
وقد واجه هذا المشروع عقبات متعددة، أبرزها صمود عدد من الدول والقوى الإقليمية التي رفضت الانخراط في هذا المسار، القائم على إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم التوسع الإسرائيلي، ما أدى إلى نشوء حالة من التوازن والصراع المفتوح.
في هذا السياق، شكّلت سوريا لسنوات إحدى الركائز الأساسية في هذا التوازن، قبل أن تتمكن الولايات المتحدة وحلفاؤها من إسقاط نظام بشار الأسد وصعود جماعات تكفيرية، وهو ما اعتُبر تحولاً استراتيجياً يصب في مصلحة واشنطن، التي طالما استخدام هذه الجماعات كأدوات غير مباشرة لتبرير وجودها العسكري في المنطقة.
ومع تراجع الدور السوري، تحوّلت بوصلة الاهتمام نحو بقية أطراف محور المقاومة، وفي مقدمتها إيران، التي لا تزال تمثل التحدي الأكبر للسياسات الأمريكية في المنطقة.
ورغم الضغوط الاقتصادية والعسكرية والسياسية التي تعرضت لها طهران، بما في ذلك التصعيدات الأخيرة، إلا أنها تمكنت من الحفاظ على قدر كبير من التماسك، ما يجعل أي مواجهة مباشرة معها خيارًا بالغ التعقيد بالنسبة لواشنطن.
في المقابل، برزت اليمن كنموذج آخر للصمود في وجه التحالفات العسكرية، حيث أظهرت سنوات الحرب الطويلة صعوبة الحسم العسكري، ما عزز القناعة بأن القوة وحدها لم تعد كافية لإخضاع الفاعلين غير التقليديين في المنطقة.
أما لبنان، فيبدو اليوم في قلب حسابات المرحلة المقبلة، خاصة في ظل تصاعد الضغوط والتوترات عليه، ما يجعله ساحة محتملة لإعادة رسم الأولويات الأمريكية في المنطقة، في ظل توازنات دقيقة واحتمالات مفتوحة على أكثر من سيناريو.
وفي اعتقادي أن التوجّه الأمريكي الإسرائيلي القادم يتجه نحو لبنان بعد فشلهما العسكري والسياسي مع إيران حيث ستتجه إلى تكثيف العمليات العسكرية، بالتزامن مع وقف العمليات العسكرية ضد إيران تدريجيا من اجل التغطية على فشلهما في المعركة الحالية، وايضا لتوحيد جهودها نحو تحييد لبنان عن أي مواجهات محتملة في المرحلة المقبلة عبر القضاء على حزب الله.
وفي هذا الإطار، تبرز التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة، بما في ذلك تعزيز الوجود العسكري وإرسال قوات إضافية، فبينما يُنظر إليها أنها استعدادات أمريكية للتدخل البري في ايران وهذا أمر مستبعد لعلم واشنطن بصعوته واستحالة الدخول بمواجهة مباشرة مع الجيش الايراني او الحرس الثوري، غير أنها ترمي بتعزيزاتها الى الانخراط في مواجهات برية واسعة مع اسرائيل جنوب لبنان.
وفي ظل هذا الواقع والمخطط، تبرز حكمة القيادة الثورية في اليمن ضمن حسابات مهمة تسعى إلى الحفاظ على توازن الردع من خلال الاستعداد الكامل لكل الجولات القادمة من المعارك.
وفي المحصلة، يمكن القول إن المنطقة تقف اليوم أمام مرحلة حساسة، تتسم بتغير الأولويات والتحضير لأكثر من معركة خاصة في ظل اصرار الولايات المتحدة وحلفاؤها على محاولاتهم لإعادة رسم خريطة النفوذ، بينما تبقى قدرة الطرف المقاوم على التكيف والصمود عاملاً حاسماً في تحديد ملامح المرحلة المقبلة وافشال المشاريع الصهيوامريكية على المستوى الحاضر والمستقبلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com