كتابات

المهندس للكارثة

بقلم/ محسن الشامي

منذ اللحظة التي اختارت فيها المملكةُ السعوديّةُ العاصمةَ واشنطن مِنصةً لإعلان «عاصفة الحزم»، لم يكن الأمرُ مُجَـرّد تدخلٍ عسكريٍّ عابر، بل كان إيذانًا ببدء أكبر عمليةِ تدميرٍ ممنهجٍ لدولةٍ عربيةٍ في العصر الحديث.

اليوم، ومع تَكشُّفِ الحقائق، يتضح أن السعوديّة ليست مُجَـرّد «قائدٍ للتحالف»، بل هي المسؤولُ الأول عن كُـلّ ما آل إليه وضعُ اليمن، وعن كُـلّ الجرائم التي ارتكبها شركاؤها الذين استدعتهم هي، وشرعنت وجودهم فوق التراب اليمني.

وهذا لا يُعفي شركاءَها في العدوان والجريمة وإلحاقِ أكبر ضررٍ بحقِّ الشعبِ اليمني.

ولكن إنَّ المِظلّةَ السعوديّةَ هي التي شرعنت العبثَ والفسادَ بغطاءٍ أمريكيٍّ.

وكلُّ ما يُقال اليوم من سجونٍ إماراتيةٍ سريةٍ، واغتيالاتٍ سياسيةٍ، وفسادٍ مستشرٍ في المحافظاتِ الجنوبية، لم يكن ليحدث لولا القرارُ السعوديّ في تشكيلِ التحالفِ العربيِّ الذي كان من ضمنه الإمارات.

إن السعوديّة هي التي حوّلت اليمن إلى ساحةٍ مستباحة، وهي التي منحت شركاءَها وحلفاءَها صَكًّا مفتوحًا لارتكاب المحرَّمات، بينما كانت هي تمارسُ الدورَ الأكبر في تفتيتِ الدولةِ اليمنية وتحويلها إلى ركامٍ تحت يافطةِ «دعم الشرعية».

الكارثة المصطنعة (بالأرقام)

لم يكن القصفُ عشوائيًّا، بل كان «هندسةً» دقيقةً تهدف إلى شلِّ مقوماتِ الحياة وإعادة اليمن عقودًا إلى الوراء.

وبناءً على توثيقِ مركَزِ عين الإنسانية للحقوق والتنمية، فإن فاتورةَ الدمار التي تسببت بها السعوديّة وحلفاؤها تتجاوز كُـلّ وصف:

1. تدمير البنية التحتية والمنشآت الخدمية:

في محاولةٍ لعزل اليمنيين وخنقهم، استهدف العدوانُ السعوديّ بشكلٍ مباشر:

– 15 مطارًا و16 ميناءً – لإحكام الحصار الشامل.

– 341 خزانًا وشبكةَ مياه، و647 محطةَ وشبكةَ كهرباء – لتحويل حياة المواطن إلى جحيم.

– 7،393 طريقًا وجسرًا – لتقطيع أوصال المدن ومنع الإغاثة.

2. إبادة القطاع الصحي والتعليمي:

لم تسلم حتى الأماكن التي تحميها القوانينُ الدولية من صواريخ التحالف:

– 460 مستشفى ومرفقًا صحيًّا دمّـر؛ مما جعل اليمن مسرحًا للأوبئة.

– 1،451 مدرسةً ومركزًا تعليميًّا، و194 منشأةً جامعية، استُهدفت لقتل مستقبل الأجيال.

3. استهداف المعيشة والمقدسات:

توسَّعت دائرة العدوان لتشملَ الأعيانَ المدنيةَ والروحية:

– 620،582 منزلًا سُوِّيَ بالأرض أَو تضرَّر.

– 1،965 مسجدًا لم تسلَمْ من القصف، بالإضافة إلى 290 موقعًا أثريًّا.

– 13،899 حقلًا زراعيًّا و511 مخزنَ أغذية – هندسةٌ متعمدةٌ للمجاعة.

قرار الإبادة

وتؤكّـد التقديراتُ أن هذا المسارَ الذي قادته السعوديّةُ خلّفَ قرابةَ 377،000 قتيلٍ حتى عام 2022، بينما يعيش اليوم ثلثا السكان – حوالي 20 مليون إنسان – تحت رحمة المساعدات الإنسانية.

إنها أكبر كارثةٍ إنسانيةٍ في التاريخ الحديث، وليست نتيجةَ صدفة، بل هي نتاجُ قرارٍ اتُّخذ في الرياض ونُفِّذ بأحدث أسلحةِ الدمار الأمريكية والبريطانية.

وعندما نقول إن السعوديّة هي المسؤولُ الأول؛ فلأنها هي من شكّل الحلف، وهي من قادت الطائرات، وهي من موّلت الخراب.

إن دماءَ مئات الآلاف، وأنينَ الملايين من الجوعى، وركامَ المستشفيات والمدارس، كلها تُشيرُ بأصابع الاتّهام إلى طرفٍ واحدٍ قرّر استباحةَ اليمن إنسانًا وجغرافيا.

إن جبرَ الضرر والتعويضَ وإعادةَ إعمارِ ما دمّـرته آلةُ الحرب السعوديّة هو حَقٌّ تاريخيٌّ وقانونيٌّ للشعبِ اليمني، لن يسقط بالتقادم، وستبقى إحصائياتُ «عين الإنسانية» شاهدةً على أبشع جريمةٍ هندسها الجارُ ضدَّ جاره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com