كتابات

الجنوب اليمني بين صراع النفوذ ومشروع التفتيت

بقلم/ عبدالرحمن منور وجيه الدين

الاقتصاد تحت الاحتلال: كيف نُهبت الثروة وتعمّقت المعاناة؟

منذ بداية العدوان الأمريكي السعودي عام 2015، أصبحت المحافظات الجنوبية والشرقية نموذجًا صارخًا لتأثير الصراعات السياسية والأمنية على الاقتصاد المحلي. فالاحتلال الفعلي، والتنافس الإقليمي السعودي–الإماراتي، لم يترك سوى الفوضى الاقتصادية والمعاناة المستمرة، بينما تم استغلال الثروات الطبيعية والبنية التحتية لخدمة أجندات خارجية، على حساب الشعب اليمني.

استنزاف الثروات… من النفط إلى الموانئ

المشهد الاقتصادي في المحافظات المحتلة يعكس بوضوح أولويات الاحتلال: وذلك من خلال السيطرة على الموارد الحيوية بدل تطويرها لصالح الشعب .

وأبرز مصادر الاستنزاف:
النفط والغاز: تم نقل أو إدارة إنتاجها بما يخدم مصالح الاحتلال وأدواته ، بعيدًا عن الاستثمار في التنمية المحلية.
الموانئ والمنافذ البحرية: السيطرة على الموانئ أصبحت أداة نفوذ اقتصادي واستراتيجي، يتحكم من خلالها الاحتلال في التجارة الدولية المحلية ويفرض الحصار على الشعب اليمني.
الأراضي والمرافق العامة: تم استخدام ممتلكات الدولة لتثبيت النفوذ، وتهميش أي استثمارات تخدم المجتمع.

الفوضى الاقتصادية… أداة ضغط

الفوضى الأمنية والسياسية التي رافقت الاحتلال لم تقتصر آثارها على الأمن فحسب، بل أدت إلى انهيار النظام الاقتصادي.
الأسواق المحلية، الخدمات الأساسية، والبنية التحتية، والعملة الوطنية، كلها تعرضت للتدهور، بينما ارتفعت معدلات البطالة والفقر.
هذا التدهور لم يكن عرضيًا، بل جزء من استراتيجية “إدارة الأزمة” التي تهدف إلى:
إبقاء المجتمع تحت ضغط دائم
خلق حالة من الاعتماد على الأطراف المسيطرة
منع أي مشروع اقتصادي مستقل ينطلق من المبادرة المحلية والاكتفاء الذاتي .

التضييق على المواطنين… وترك البيئة حرة للأجنبي
في المقابل، تُترك البيئات الاقتصادية “للطرف المسيطر” دون رقابة فعالة، ما يتيح له نهب الموارد بحرية، وتوجيهها وفق الأولويات الخارجية للدول المحتلة.
بينما المواطن العادي وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع:
ارتفاع تكاليف المعيشة
نقص الخدمات الأساسية
محدودية فرص العمل

المقارنة مع المناطق الحرة

كما في ملف الأمن، تظهر المقارنة مع المناطق الحرة أن الوضع الاقتصادي قابل للإدارة وتحقيق الاستقرار نسبياً، إذا توفرت القيادة الحكيمة والإرادة الوطنية ونظم الحوكمة الرشيدة.
فالوضع في المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة ليس نتيجة نقص إمكانيات، بل نتيجة طبيعة للاحتلال الذي ينهب الثروات، ويبعد أي أطراف وطنية فاعلة من التأثير في هذا المجال .

الخلاصة: الاقتصاد كمرآة الاحتلال

الواقع الاقتصادي في المحافظات المحتلة بشكل عام يكشف بوضوح أن الاحتلال لا يهدف إلى التنمية أو الاستقرار، بل إلى السيطرة على الموارد وفرض الهيمنة.
وأي مقاربة لإعادة بناء الاقتصاد يجب أن تبدأ باستعادة السيادة، وإعادة توجيه الموارد لخدمة المواطنين، وخلق بيئة مستقرة وآمنة للاستثمار المحلي.

⁨عبدالرحمن⁩ ⁨المنور⁩, [05/01/2026 05:52 م]
سلسلة تحليلية: الجنوب اليمني بين صراع النفوذ ومشروع التفتيت

عبدالرحمن منور وجيه الدين
محلل سياسي وإعلامي جنوبي

المقال (5)
نحو استعادة القرار الوطني: البدائل الممكنة وإستراتيجية الخروج من الفوضى

بعد أن سلطنا الضوء على الصراع النفسي والسياسي والأمني والاقتصادي في المحافظات الجنوبية والشرقية، بات واضحًا أن الأزمة ليست تراكمية عابرة، بل صراع طويل الأمد قائم على سياسة الاحتلال الرامية إلى تفتيت المجتمع ونهب موارده وثرواته .

والسؤال اليوم: كيف يمكن استعادة القرار الوطني وتحويل الجنوب من ساحة صراع إلى نموذج للاستقرار؟

أولًا: الاعتراف بحقيقة الصراع

الخطوة الأولى لأي استراتيجية ناجحة هي الاعتراف بأن ما يحدث ليس مجرد أزمة محلية أو خلافات سياسية داخلية، بل صراع احتلال إقليمي متعدد الأبعاد.
الاعتراف بهذا الواقع يتيح:
صياغة خطاب سياسي واضح
تحديد الأهداف الوطنية الحقيقية
كشف التضليل الإعلامي والسياسي

ثانيًا: توحيد الجبهة الداخلية

الفوضى والتشتت الداخلي هي أكبر ما يسهّل استمرار الاحتلال. لذلك، يجب العمل على:
توحيد القوى السياسية والاجتماعية حول رؤية وطنية مشتركة
إرساء مؤسسات محلية فعالة تحت سقف الدولة
تحصين المجتمع ضد الانقسامات المناطقية والطائفية والإقليمية
هذا التوحيد لا يعني محو الخلافات السياسية، بل التعامل معها ضمن آليات وطنية واضحة بعيدًا عن الأجندات الخارجية.

ثالثًا: استعادة مؤسسات الدولة

لا يمكن لأي استقرار حقيقي أن يتحقق دون مؤسسات وطنية قوية:
الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الموحدة
القضاء والسلطة القانونية المستقلة
الإدارة المحلية الفعالة
التنمية الزراعية والاكتفاء الذاتي
الرقابة على الموارد الاقتصادية
وإعادة بناء هذه المؤسسات يجب أن يتم على أساس سيادة القانون، لا الولاءات الإقليمية أو الخارجية.

رابعًا: نموذج المناطق الحرة (تحت سيطرة حكومة صنعاء) كدليل عملي

المناطق الحرة التي لم تخضع للاحتلال تُظهر أن الاستقرار ممكن حتى في ظروف العدوان والحصار ومختلف المؤامرات التي استهدفت كل شيء.
يمكن استخدام هذا النموذج كمرجع لإعادة:
الأمن والاستقرار
التنمية الاقتصادية
الخدمات الأساسية
الثقة بين المواطنين والدولة

خامسًا: استراتيجية الإعلام والسياسة

للمواجهة الفعالة للاحتلال، يجب توظيف الإعلام والسياسة بشكل استراتيجي ومتوازي من خلال:
كشف أهداف الاحتلال الحقيقية
فضح أدواته المحلية
إيصال المعاناة الحقيقية للمواطنين للرأي العام
تعزيز الرواية الوطنية بدل الاستجابة للخطاب الخارجي

سادسًا: توصيات الخروج من الفوضى
إعادة الناس إلى كتاب الله سبحانه وتعالى، وتعزيز الارتباط بالله وإحياء عامل الثقة بالله وترسيخ معرفته.
إعداد ملف سياسي وأمني واجتماعي وثقافي متكامل يوضح طبيعة الصراع ومخاطره وتعريف الناس بمن هم وما هي هويتهم وما الذي يجب عليهم ومن هو عدوُّهم.
تحصين المؤسسات الوطنية ضد التدخلات الخارجية.
إطلاق برنامج إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطنين.
استثمار النموذج الأمني والاقتصادي للمناطق الحرة كنموذج قابل للتطبيق .
إشراك المجتمع المحلي والجمعيات التعاونية لدعم المبادرات المجتمعية وإشراك القطاع الخاص في إقامة مشاريع تنموية حقيقية، بعيدًا عن المنظمات الدولية ومشاريع قوى الاحتلال.

خاتمة
إن استعادة القرار الوطني في المحافظات الجنوبية والشرقية ليست مجرد خيار، بل ضرورة حتمية لإنهاء حالة الفوضى والاحتلال الطويلة.
النجاح في هذا المسار يتطلب إرادة سياسية واضحة، قيادة موحدة، رؤية استراتيجية شاملة، وقدرة على تحويل الدروس المكتسبة من المناطق الحرة إلى نموذج شامل لإعادة بناء الدولة.
فالأمن، الاقتصاد، والسيادة كلها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا، وأي محاولة لإصلاح أحدها بمعزل عن الآخر ستظل ناقصة، ولن تُفضي إلى استقرار دائم أو إلى استعادة القرار الوطني.

محلل سياسي وإعلامي جنوبي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com