التوحّش الأمريكي… والعالم يتدثّر بخذلانه
فهل يتعلّم الدرس من اليمن بأن ثمن المواجهة أقل من ثمن الانبطاح؟

بقلم/ عبدالرزاق الباشا
كعادتها، تعيش الولايات المتحدة الأمريكية على الحروب، وتمارس نهب ثروات الشعوب بأساليب ملتوية، تتخفّى خلف عناوين براقة ومسميات زائفة. غير أن مجيء دونالد ترامب أسقط الأقنعة، وكشف للعالم عورة السياسة الأمريكية على حقيقتها؛ سياسة العربدة والتوحش، من غزة ولبنان، إلى سوريا والجمهورية الإسلامية في إيران، وصولاً إلى اليمن، حيث خرجت القوات الأمريكية من عرض البحر الأحمر مدحورة ومهزومة باتفاق مشروط لصالح قوات صنعاء.
وسقط القناع أكثر حين أقدمت واشنطن على اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بعد أن كان قد حذّر صراحة، قبل أيام من الحادثة، من أطماع أمريكية متصاعدة في نفط بلاده. وأشار مادورو آنذاك إلى أن الولايات المتحدة زادت من وجودها العسكري في البحر الكاريبي، بما في ذلك إعادة نشر حاملة طائرات، معتبراً ذلك دليلاً واضحاً على نوايا عدوانية. ولم تمضِ أيام قليلة حتى جرى اختطافه من العاصمة كاراكاس، في سابقة خطيرة تعكس منطق القوة العارية.
اليمن يكشف الذرائع الأمريكية مبكراً
في خطابٍ له بمناسبة جمعة رجب 1447هـ، كشف السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي بوضوح الذرائع الأمريكية التي تُستخدم لتبرير النهب والهيمنة، قائلاً:
«انظروا ما تفعله أمريكا تجاه فنزويلا… الأمريكي في نهبٍ مستمر لثلث ما تنتجه فنزويلا من النفط، ولم يكتفِ بذلك، بل يريد السيطرة الكاملة على أكبر احتياطي نفطي في العالم، تحت عنوان مكافحة المخدرات في فنزويلا».
وهو ما أكده عدد من المحللين السياسيين، باعتباره الوجه الحقيقي لمشروع الهيمنة الأمريكية، الذي يتجاوز سيادة الدول، ويدوس القوانين الدولية، ويضع حقوق الإنسان في مزبلة الخذلان.
ولم تتوقف السياسة الأمريكية عند نهب الثلث من النفط الفنزويلي، بل سبق العملية الإجرامية تصريح علني لترامب، أعلن فيه أنه يخطط مع شركات النفط الأمريكية لتعزيز السيطرة على فنزويلا، واعتبر الرئيس مادورو “عقبة” أمام ما سمّاه بـ«العدالة الأمريكية»؛ أي السطو الكامل على النفط الفنزويلي واعتباره حقاً أمريكياً خالصاً.
وبعد العملية، خرج ترامب متباهياً، معلناً اعتقال مادورو وزوجته، واصفاً العملية بأنها “رائعة” و“استثنائية”، ومؤكداً بوقاحة أن واشنطن ستعيد تشكيل مستقبل فنزويلا وفق مصالحها.
جريمة مكتملة الأركان وانتهاك للقانون الدولي
ما أقدمت عليه الإدارة الأمريكية يُعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وسابقة خطيرة في العلاقات بين الدول، تجسّد منطق الهيمنة واحتقار سيادة الشعوب، وتُجرَّم وفق ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف. أما فنزويلا، فهي اليوم أمام لحظة تاريخية فاصلة: إما استعادة وحدتها وإطلاق مقاومة سياسية وشعبية تحفظ كرامتها الوطنية، أو البقاء تحت نير الابتزاز والاحتلال الأمريكي.
إدانات عالمية… بلا أنياب
صدرت إدانات ومواقف دولية، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
كوبا أدانت العملية بشدة.
الرئيس الكولومبي عبّر عن مخاوفه من إدراج بلاده على قائمة “أوفاك”، مؤكداً أنه لن يصمت أمام محاولات الإخضاع.
منظمة العفو الدولية حذّرت من خطورة اختطاف مادورو.
ورغم ذلك، خرج “فرعون العصر” ترامب مهدداً بعملية عسكرية ضد كولومبيا، واصفاً العدوان بأنه “مناسب”، فيما أدرج غرينلاند على قائمة اهتماماته التوسعية بعد فنزويلا.
ولم تقتصر العربدة الأمريكية على أمريكا اللاتينية، بل وصلت حدّ التطاول على روسيا، حيث استولت خفر السواحل الأمريكية على ناقلتي نفط تابعتين لأسطول الظل الروسي. واعتبرت موسكو ذلك انتهاكاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، لكنها آثرت عدم التصعيد المباشر في هذه المرحلة، مع التأكيد أن الرد سيأتي في الزمان والمكان المناسبين.
الأمم المتحدة… قلقٌ مزمن وعجز فاضح
أما موقف الأمم المتحدة، فلم يخرج عن دائرة “القلق”، حيث عبّر أمينها العام عن قلقه إزاء العملية، مذكّراً بأن مواثيق الأمم المتحدة تحظر استخدام القوة أو التهديد بها.
وهكذا، تكرّس فشل المؤسسة الدولية، التي عجزت عن إدارة الأزمات الصغرى قبل الكبرى، وتحولت في نظر الشعوب من مظلة للشرعية الدولية إلى أداة بيد القوى العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ما أفقدها ثقة العالم، وأسقط الرهان عليها كضامن للعدالة والسلام.
اليمن… النموذج الحي
في ختام المشهد، يبرز الموقف اليمني الشجاع، الذي سبق أن لقّن الولايات المتحدة درساً قاسياً في البحر الأحمر.
فقد أدان المكتب السياسي لأنصار الله العدوان العسكري الأمريكي على فنزويلا، وطالب المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لوقف العدوان، واحترام المواثيق الدولية، محذّراً من استمرار السياسات الأمريكية العدوانية التي تهدد الأمن والاستقرار الدوليين.
هذا الموقف الصريح يعكس ثقة صنعاء بنفسها، ويعبّر عن وعيٍ بحجم الخطر الأمريكي، في وقتٍ يتصاعد فيه السخط العالمي على سياسات واشنطن، وحروبها المفتوحة، ومخططاتها الرامية إلى تنفيذ مشروع “الشرق الأوسط الجديد” خدمةً لـ“إسرائيل الكبرى”.
أسئلة مفتوحة على المجهول
لماذا لا يُستثمر هذا الانكشاف الفاضح للسياسة الأمريكية في إطلاق حراك عالمي حقيقي لمناهضتها؟
ما الذي يمنع الشعوب والدول من الوقوف بجدية في وجه هذا التوحش؟
هل نحن أمام بدايات حرب عالمية ثالثة، قد تنطلق شرارتها من القطب الشمالي (غرينلاند)؟
والسؤال الأهم:
هل سيتعلّم العالم من اليمن أن ثمن المواجهة أقل بكثير من ثمن الانبطاح؟
تبقى هذه التساؤلات مفتوحة، بانتظار ما ستكشفه الأيام ومجريات الأحداث.
والله من وراء القصد.
كاتب وإعلامي

