كتابات

أبتي … وصديقي

لا يدرك المرء قيمة والديه إلا حين يفقدهما أو أحدهما , ولا يتحسر على تقصيره إلا حين يحس بألم المصاب وجوره , ها هو اليوم ظهري قد انكسر أحس وكأن لا ظهر لي .

لم يكن والدي العظيم الذي افتقدته ظهيرة الخميس الماضي 19 شوال 1433ه الموافق 6 سبتمبر 2012م ككل الآباء , كان فريدا?ٍ في أ?ْبوته مميزا?ٍ في عطفه وحنانه يعلم ذلك كل من عرفه وجالسه ولو للحظة بسيطة .

الأب الطائع لأولاده :

كان والدا?ٍ طائعا?ٍ لأبنائه لم يترك لنا فرصة لطاعته ورد الجميل له والقيام بما افترض الله عز وجل علينا من تلك الطاعة .

شكوى ولد بوالده :

تبر??ِمت من أسلوبه وشكوت ذلك لسيدي المولى العلامة / حمود بن عباس المؤيد أطال الله عمره ذات يوم فرد??ِ علي??ِ بالقول : إحمد الله على هذه النعمة من الله تعالى فلو كان شديدا?ٍ كغالب الآباء فربما لم تستطع الوفاء بما يجب عليك نحوه .

مناقب خالدة :

أبي … عاش زاهدا?ٍ تقيا?ٍ لم ي?ْدخل بطنه شيئا?ٍ من الحرام , ولم يظلم أحدا?ٍ أو تحم??ِل مظلمة لأحد , ولم تخرج من فمه كلمة سوء بحق إنسان طوال حياته , ولم أسمع منه يوما?ٍ الحلف بالله أو بإحدى صفاته , ولم تفارق الإبتسامة شفتيه , شبيه السجاد زين العابدين بن علي بن الحسين وحفيده , ولم يترك مالا?ٍ أو يد??ِخ?ر منه شيئا?ٍ فما امتلكه أنفقه على الفقراء والأرحام والأطفال .

إنه حبيب الأطفال فما رأى طفلا?ٍ إلا وأعطاه مما معه , وحين لا يمتلك مالا?ٍ أو عطاء?ٍ يعتزل وي?ْغلق على نفسه باب غرفته حتى لا يراه أحد .

بيوت عفيفة عاشت معتمدة على فضل الله الذي يأتي عن طريقه , أطفال ويتامى ترعرعوا في كفالته , نموذج فريد في صلته أرحامه ومواساته ذوي الحاجة والفاقة .

رفق نادر :

لم نفتقده نحن فقط .. ف?ِق?د?ِه?ْ الجميع النساء والأطفال والحيوانات .. كان مثالا?ٍ عجيبا?ٍ ونادرا?ٍ في رفقه بالحيوانات , كان يجلس في فناء البيت مرتكزا?ٍ على ع?ْك??ِازه ومستندا?ٍ إلى حجر في وسط الفناء وفي يديه الحبوب وفي منظر بديع تأتي الطيور وتحوم حوله لتلتقط الحبوب من يديه وتتجمع الحيوانات لتأكل مما حوته يداه بأمان وسكينة لا تغادره حتى تنتهي مما معه أو يحضر أحد?َ فتخاف منه .. إهتم بالقطط والماعز والضأن يؤك??لها بنفسه وي?ْشرف على غذائها ويطعمها .

ب?ْشريات الوفاة :

في مرضه الذي لقي ربه به كانت تترآءى له الحيوانات فنراه وقد مد??ِ يده في اتجاه معين وأشار بأصبعه إلى جهة ما فنقول له : ماذا ترى يا أبي ?

فيرد : سبحان الله ما أحلى تلك الحمامة .. ها هو الب?س??ْ ( القط ) .. إن الت??ِيس ( الذ?ِك?ِر من الماعز ) يقف هناك .. ما أجمل هذا الطفل .. حتى الجراد والضفادع والنمل تترآءى له ويشير بإصبعه نحوها .

ك?ْن??ِا نرد عليه بالقول : هذه الحيوانات التي تحبها وترفق بها جاءت يا أبي لزيارتك .

مشاهد مؤثرة :

خفيف ظل وخفيف دم لم ي?ْث?ِق??ل علينا بشيء رغم حبنا ثقالته التي لم نعرفها , ولم يسمح لنا بإعطائه شيئا?ٍ فكل شيء يتناوله بيديه .. حتى ليلة دخوله في غيبوبة الموت الذي غي??ِبه عنا تناول العلاج بيده المتعبة المرهقة .

لم أشهد أو أسمع عن رجل يحافظ على عورته مثله إلا صنوه المولى العلامة الحجة الحسن بن قاسم فما ترك لنا فرصة لمداواته مما يعاني حتى لا تنكشف عورته . في مرضه كان يقبض ثيابه المحيطة بعورته بيده حتى لا تنكشف أثناء تقليبه وحمله .

صابر على البلاء بشكل لا نظير له فما اكتشفنا معاناته وأمراضه المتعددة والبلاء الذي ص?ْب??ِ عليه إلا في مرضه الذي التحق بركب أولياء الله وأحبائه فيه .

خصال فريدة وسجايا نادرة :

ماذا أقول عنه والخصال التي حملها تجعل منه عليا?ٍ عليه السلام في ورعه وزهده وتقواه , وزين العابدين في إنفاقه وعبادته ورعايته , وأيوب في صبره , ويحيى بن زكريا في تواضعه , وحاتم في كرمه , وعمر بن عبدالعزيز في ع?ف??ِته .

لم يحمل حقدا?ٍ ولا ضغينة على أحد , قلبه نظيف وطاهر ما أظل??ِت السماء أطهر من قلبه ولا أزكى من صدره ولا أبهى من صورته . غاية في الرقة وآية في الرحمة ومثال في الأمانة ونموذج في السخاء والكرم .

مشهد الأمين الواثق :

ثلاثة وثلاثون عاما?ٍ قضاها عاملا?ٍ أمينا?ٍ مع كبار تجار حوث وحين تخلى عن العمل قال لهم بلسان الواثق : لا أريد منكم المسامحة على شيء أخذته لنفسي , وإنما أطلب السماح مما أعطيته لأبنائكم أو أ?ْنفقته لوجه الله من أجلكم .

صديقي الذي افتقدته :

ما أحسسته يوما?ٍ أبا?ٍ وإنما صديق حميم عز??ِ مثيله في الأصدقاء .

أبتي .. وصديقي : ما زلت لا أصدق أن الموت غي??ِبك ولن تعود ففي كل لحظة وثانية أم?ْر??ْ على غرفتك أطالع مكانك وأتخيلك مسترخيا?ٍ على سريرك , جالسا?ٍ في محلك , تتناول وريقات القات وتشرب الماء وتبتسم في وجهي , أتخيلك قاعدا?ٍ على سجادتك تصلي بتلك الهيئة متربعا?ٍ ,تنتظر أذان الصلاة ت?ْك?ِب??ر وت?ْسب??ح .. تحمد وتهلل .. تستغفر وتشكر .

· أتذكر دموعك التي تنساب على خدك

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق