كتابات

اليمن من الدفاع الى الهجوم

1588 يوم من العدوان على اليمن

بقلم : حميد حلمي البغدادي

ومن المعروف ان اليمن بلد اسلامي عربي عريق وهو يمتلك مضيق باب المندب ذا الاهمية البالغة باعتباره أحد اهم الممرات المائية في العالم واكثرها احتضانا للسفن ، حيث يربط بين البحر الاحمر وخليج عدن، وتزيد اهميته بسبب ارتباطه بقناة السويس في مصر وممر مضيق هرمز بالخليج الفارسي.

ويعتبر اليمن جنة من جنان الله في الارض جمالا ومناطق خضراء ، وقد تم اكتشاف النفط فيه منذ معرفة اهميته في مطلع القرن العشرين، لكن السياسات الغربية الدولية جمدت الثروة البترولية في اليمن لغاية في نفسها ، ولاغرابة في ذلك لان الفكر الرأسمالى الامبريالي مجبول على ترتيب الاولويات تحقيقا لمآربه السياسية ومطامعه الاستغلالية.

وتفيد التقارير الاختصاصية بأن نفط جوف اليمن هو اكثر من نفط السعودية. وحسب احصائيات عام 2012 بلغ عدد سكان اليمن نحو 25 مليون نسمة يشكل الاطفال و الاحداث والشباب فيهم نسبة تقارب 80 بالمائة، ما يؤكد ان المجتمع اليمني مجتمع شاب وحيوي تماما، وبذلك فهو يتمتع بمنطلقات النهوض والتقدم والتطور التنموي، الى جانب امتلاكه القدرات الذهنية والفكرية والانضباطية الهائلة ، الامر الذي تجلى في ثورته الحضارية،ثورة الشباب اليمنية يوم 15 يناير 2012 .

والشعب اليمني ذو تدين قوي ، وهو متمسك بالقيم الاسلامية اضافة الى طيب اخلاقه مع تحليه بسجايا السماحة والكرم والاباء والشجاعة والزهد ورفض الضيم ،

ولهذا السبب تحديدا يخضع اليمن لتحطيم شديد انساني واقتصادي وحضاري منذ بدايات القرن العشرين ودخولا للقرن الحالي ، فهو كما اسلفت ، ضحية لسياسات اللعبة الدولية التي مزقته عبر التقسيم الى بلد شمالي وبلد جنوبي ، وعبر معاناته المريرة من الفقر والبطالة وضيق ذات اليد وتبطيء عجلة التنمية في البلاد، مع انه يتربع على مساحة عظيمة من الثروات الطبيعية ، بالاضافة الى عزله عمدا وإفقاراً عن تكتل دول مجلس التعاون في الخليج الفارسي.

وعلى الرغم من قواعده الفكرية الخاوية والمنحرفة اساسا ، يعاني نظام آل سعود من عقدة الدناءة والانحطاط في تعامله الجائر مع اليمن وشعبه المجاهد. لقد قامت سياسات المملكة الوهابية دوما على شراء الذمم باستقطاب زعماء القبائل والاشخاص المتنفذين في المجتمع بالعديد من البلدان، وتقديم الرشى الشهرية والسنوية لهم كل حسب وزنه وتأثيره ، الامر الذي جعلهم ادوات طيعة بأيدي حكام الرياض باستمرار.

ولاشك في ان وجود مثل هذه الارضية الارتزاقية هو الذي سوغ للنظام السعودي استباحة اليمن تحت ذريعة “الدفاع عن الشرعية” ، لشن غاراته الجوية الوحشية على اليمن وشعبه وبناه التحتية منذ مجازر “عاصفة الحزم” في آذار ٢٠١٥ واستمرارا بمجازر “إعادة الامل” عبر عدوان غاشم على الحياة الانسانية البريئة ومراكز التنمية والعمران والصحة والعلوم والحضارة والتاريخ العريق في اليمن.

والنظام السعودي هو نظام طائفي معروف بعمالته للقوى العظمى منذ بدايات ايجاده . فبقراءة متأنية لتاريخ المنطقة يمكن الكشف عن وجود تلازم وثيق بين تأسيس نظام آل سعود الوهابي التكفيري في ارض مهبط الوحي الالهي و إقامة الكيان الصهيوني الاستئصالي في فلسطين المحتلة . فالأول يمثل نموذج صارخ للانحراف الديني والفكري باسم الاسلام ، والثاني يمثل نموذجا صارخا للانحراف الديني والفكري باسم اليهودية، ويتكامل كلاهما جنبا الى جنب منذ بدايات القرن العشرين حتى الان لخدمة اجندات زعماء القوة والمال في العالم الغربي من جهة، وتأجيج الانقسامات والصراعات والازمات في الشرق الاوسط من جهة اخرى باسم الدين . وعلى هذا الاساس يمكن القول أن الاثنين هما وجهان لعملة واحدة.

وبلحاظ تطورات الحرب الاخيرة غدا واضحاً ان المدافعين من رجال انصار الله ومعهم الجيش اليمني بقضه وقضيضه ، بدأوا قتالهم الحقيقي مع المعتدي السعودي بضربه في العمق والسيطرة على بعض مناطقه المحاذية لجمهورية اليمن ، وحتى التلويح بإمكانية قصف مراكز آل سعود الاستراتيجية جداً . كما ان المعطيات الراهنة تشير إلى الاحباط والانهيار في الجانب المعتدي على اليمن وشعبه ومراكزه الحيوية والتنموية والصحية، وهي تفصح حالياً عن حاجة حكام السعودية الملحة الى الضغوط الاميركية والغربية للحيلولة دون اقتراب الحسم اليمني وانزال الهزيمة بزعماء الوهابية اللاعقلانيين.

ومن الواضح ان تغير معادلة القوة في حرب اليمن ، إضافة الى ما تم من مطاردة ماحقة لعصابات داعش وقضاء على بؤرها الخطرة في العراق وسوريا ولبنان ومصر ، يفسر عقد مؤتمر المنامة المشين بتاريخ 25 حزيران ٢٠١٩ تحت ذريعة التوصل الى”صفقة القرن” ، تكريسا ليهودية الكيان الصهيوني ، وتصفية للحقوق الفلسطينية الأصيلة ، اضافة الى تفويض الادارة الاميركية الغاشمة صلاحيات جائرة للتدخل في شؤون دول المنطقة والعدوان على الجمهورية الاسلامية الايرانية بسبب تمسكها بحقوقها الوطنية ودفاعها عن القضايا الاسلامية المشروعة.

اذن فإن الانهيارات العسكرية السعودية المتوالية ماهي إلا تحصيل حاصل نتيجة تورط آل سعود الساذج في المطب اليمني المعقد كما ان المتغيرات القادمة لن تعدم أن تكون حبلى بالمفاجآت الحاسمة ، وقد شاهد العالم برمته العديد منها في الايام القليلة الماضية ، وبما يشير الى ان توقيت إنهاء هذه الحرب لم يعد بيد المعتدين المتغطرسين . لكن من الثابت أيضا ان الرياض لا تريد الاحتكام الى لغة القانون الدولي والمنطق الاخلاقي إلا اذا طوق المارد اليمني رقبتها بحبل الهزيمة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق