كتابات

تحالُفُ البغي والعدوان والرغاليون الجدد

بقلم/عبدالقوي السباعي

لقد خاضت اليمن الأرض والأمَّة حروباً ومعارك تستعصي على الحصر، على مدى عصورها، وسلسلة سجلات تاريخها الشفاهي والكتابي، فتاريخها تبعاً لأهميّة موقعها الجغرافي، وعراقة وحضارة الأُمَّــة فيها، هو تاريخ حروب ومعارك، خاضت الأُمَّــة اليمنية خلالها الكثير من الملاحم البطولية، وسطرت فيها أزهى وأبهى صفحات الانتصارات، عاشت فتراتٍ زمنيةً غير قليلة في ظل السيادة والاستقلال والأمن والسلام، والتشييد والإعمار وبناء الحضارة والازدهار، كما تخللتها فتراتٍ زمنيةٍ متقطعة من الانكسار والجمود والانكفاء على الذات.

المتتبع لكل الأحداث التي رافقت فترات الانكسار والجمود في تاريخ الأرض والأمَّة اليمنية، سيجد أن منشأها تلك الصراعات المختلفة بين أبنائها والتي كانت دائماً ما تحَرّكها جملة من الأطماع والمصالح، والنزعة إلى بسط النفوذ والاستقواء والتسلط، إلَّا أنهم سرعان ما كانوا يتجمعون ويتحدون في مواجهة الخطر الخارجي والعدوّ الأجنبي، ولم يسجل التاريخ يوماً أن أيّا من القبائل اليمنية وقفت في صفوف الغازي الأجنبي ضد إخوانها وبني عمومتها من القبائل الأُخرى، سوى ذلك التصرف الفردي في القرون الغابرة الذي صدر عن المدعو “أبو رغال” الذي فقد مصالحه فقام باستدعاء الاحتلال الروماني عبر البوابة الحبشية، ويذكر التاريخ كيف أن كُـلّ القبائل اليمنية نبذته حتى حين مات أصبح قبره مرجماً للعرب، وضربته مثلاً في الخيانة فقالت العرب: “أَخْوَنُ من أبي رغال”.

فإذا كان الوزير “أبو رغال” قد فقد مصالحه الشخصية في بلاط الملك “سميفع أشوع” الذي ساد فترة حكمه الفساد والانبطاح والتبعية للرومان، بعد الإطاحة بحكمه وحكومته في ثورةٍ شعبيّة سميت بثورة “السخطيين” بقيادة الملك الحميري “يوسف ياسر يثأر يهنعم”، لجاء الوزير “أبو رغال” لأصدقائه الرومان الذين أوعزوا لأتباعهم الإقليميين “الأحباش”، بالقيام بالمهمة، وبعد الإطاحة بالملك يوسف ذي نواس، عيّن الأحباش بالتوافق مع الروم ملكاً مسيحياً على مملكة حمير، هو السميفع نفسه، غير أنّ خطة للروم كانت أوسع من مُجَـرّد هذا التغيير الحميري في اليمن، ذلك أن قيصر الروم جوستنيان كان يسعى إلى قطع الطريق التجارية نهائيًّا على الفرس العدوّ اللدود له، إلَّا أن الأحباش وبمُجَـرّد أن سيطروا على اليمن قاموا بجعله حاكماً صورياً وقاموا بإقصاء “أبو رغال” وكلّ تابعيه، حتى أعلن أبرهة الأشرم حاجته إلى دليل في رحلتهم لهدم الكعبة المشرفة ليخرج “أبو رغال” متطوعاً لهذه المهمة، وحدث ما حدث.

ويكاد التاريخ يعيد نفسه، إذ كانت أهم مبرّرات الرومان لغزو اليمن إحراق واضطهاد النصارى، وإعادة نوابهم وأدواتهم الحكام الشرعيين، غير أن تاريخ اليمن لم يشهد في كُـلّ مراحله وحقبه وأحداثه مثل ما هو عليه في الوقت الراهن، فما يحدث اليوم من “رغاليي العصر” من خيانة وعمالة وارتزاق في ظل حرب ظالمة وعدوان غاشم على اليمن الأرض والإنسان لم يكن له مثيل على الإطلاق، ولعلّ التاريخ اليوم سيسجل خلالها أبشع جرائم الانبطاح والاستجلاب للعدو الخارجي والغازي الأجنبي، وأفظع جرائم الخيانة والعمالة والارتزاق للرغاليين ممن يفترض أنهم رئيس وحكومة، ساسة وزعماء قادة وعلماء، كيف يهنأ لهم العيش وهم في عواصم دولٍ تغزو وتحاصر بلادهم، تقتل وتجوّع أبناء شعبهم وبني جلدتهم، تقصف وتدمّـر وتخرب وتعربد وتهلك الحرث والنسل في وطنهم وأرضهم، فيباركوا فعلها، ويتجندوا في خندقها، نكاية بالثوار والثورة التي أطاحت بحكمهم وحكومتهم، تلك الثورة الشعبيّة التي سطرها شعب تواق إلى الحرية والتحرّر، إلى السيادة والاستقلال ورفض الوصاية.

نحن اليوم أمام ظاهرة تاريخية جديدة من الرغاليين، والتعامل معها يتطلب نقداً مكثّـفاً ودراسة مستفيضة حتى لا تتكرّر وتجدف ضد تيار القيم والمبادئ والفطرة السوية؛ لأَنَّها ستترك أثراً مدمّـراً على المستقبل وعلى الحياة وعلى التصورات الذهنية في الأجيال القادمة.

الرغاليون.. ظاهرة ينكرها العقل والمنطق السليم، وتنكرها القيم والمبادئ الإنسانية والأخلاقية السامية، وينكرها الفكر السياسي والاجتماعي القديم والمعاصر، وتنكرها –قبل هذا وذاك– الفطرة السليمة والدين القويم.

ما نشاهده اليوم في الرغاليين الجدد من الخونة والعملاء والمرتزِقة الذين باعوا أرضهم وعرضهم وشرف أمتهم لحفنة من الطامعين، وفرشوا رؤوسهم وجماجمهم وخدودهم لنعال الغزاة المحتلّين والبغاة المستكبرين والطغاة الظالمين، الذين غزوا أرضهم وبلادهم وعاثوا فيها فساداً ودماراً على مدى سبع سنوات، في تعبير غير مسبوق في كُـلّ حقب التاريخ القديم والمعاصر، وما نلمسه في الرغاليين اليوم وهم في سكرتهم يعمهون، ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً، فلا صحوة ضمير توقظهم من سباتهم، ولا دين يردعُهم، ولا عرف، ولا قيم ومبادئ، ولا أخلاق، بل نراهم يزدادون تمادياً وغياً، خيانة ودناءة وضعة نفس لا مثيل لها، في مقابل تناقصهم وخروجهم من كُـلّ المعادلات العسكرية والسياسية والوطنية والأخلاقية، وفي ذلك تردٍ قيمي وأخلاقي كبير لم يسبقهم إليه أحد من العالمين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق