كتابات

ثورة 21 سبتمبر في الوجدان

بقلم/ زينب الشهاري

وهكذا بقي 21 سبتمبر في الوجدان…
كانت الأحلام يومها كبيرة.
حلم بوطن يقف على قدميه. حلم بقرار لا يكتب بعيدا عنه. حلم بأرض لا تكون هامشا في حكايات الآخرين، بل صاحبة الحكاية، وصاحبة الصوت، وصاحبة الكلمة الأخيرة في مصيرها.
وهكذا بقي 21 سبتمبر في الوجدان؛ لا كتاريخ يستعاد، بل كإحساس يعود كلما مر الوطن من القلب.

كان الحلم بسيطا في عبارته، عظيما في معناه:
أن يكون اليمن لليمن.
أن يرفع رأسه كما ترفع الجبال رؤوسها منذ آلاف السنين، لا تسأل الريح من أين جاءت، ولا تستأذن الغيم كي تبقى شامخة.

كان ثمة شيء يشبه اليقين يسكن القلوب؛ أن الأوطان، مهما أنهكها الطريق، تستطيع أن تبدأ من جديد. وأن البلاد التي عبرت كل هذا التاريخ لا يمكن أن تكون مجرد سطر يكتبه الآخرون ثم يمضون.

ولهذا لم يكن سبتمبر في ذاكرة من أحبوه مجرد شهر.
صار نافذة.
كلما فتحت، دخل منها ذلك الحلم القديم: وطن يعرف نفسه، وطن يسمع صوته قبل أصوات الآخرين، وطن لا يبحث عن كرامته خارج حدوده، لأنها تسكن ترابه منذ البداية.
وكان اليمن يومها يشبه قلبا أنهكه الانتظار، ثم تذكر فجأة أنه ما يزال قادرا على النبض.
ربما لم تكن الطرق بعد ذلك سهلة.
فاللحظات الكبيرة لا تعد أحدا بطريق بلا تعب، ولا تأتي الأوطان إلى أحلامها بخطوة واحدة.
لكن شيئا بقي.
بقي ذلك الإحساس بأن للوطن حقا في أن يختار صورته.
أن تكون له إرادته.
أن يكون لصوته مكان.
أن يعيش اليمني في وطنه لا كعابر على أرضه، بل كجزء من معناها وامتداد لتاريخها.
وما أعمق الفرق بين أن تسكن وطنا… وأن يسكن الوطن فيك.

ولهذا حين يعود الحادي والعشرون من سبتمبر، تعود معه تفاصيل لا تراها العين كلها.
تعود الوجوه. تعود الأمنيات. تعود تلك اللحظة التي شعر فيها كثيرون أن اليمن، بكل ما يحمله من تعب وكبرياء، كان يبحث عن نفسه.
والأوطان، مثل البشر، تمر عليها لحظات تحتاج فيها أن تقف أمام المرآة طويلا، أن تتأمل ما بقي منها بعد كل شيء، ثم تقول لنفسها:
ما زلت هنا.
وربما كان أجمل ما بقي من سبتمبر عند من يحملونه في قلوبهم هو هذا المعنى تحديدا:

أن اليمن يستطيع أن يتعب… لكنه لا يتخلى عن حلمه.

يستطيع أن تثقل عليه السنوات… لكن شيئا فيه يظل عصيا على الانكسار.

شيء يشبه الجبل. يشبه الأرض حين تتمسك بجذورها. يشبه الإنسان حين يعرف أن الكرامة ليست كلمة تقال، بل شعور يسكنه حتى آخر الطريق.

وهكذا بقي 21 سبتمبر في الوجدان.

لا لأن الأيام تتشابه، بل لأن بعضها يمر بنا مرة…

ثم يقيم فينا إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى