الدخان لايحرق تبغاً.. إنه يحرق عمراً

بقلم/ شمسان اليفاعي
من أرض اليمن،حيث تكتسي الجبال خضرة وينساب الهواء نقياً كأنفاس الفجر الأول، وهبه الله لنا رحمةً تشرح الصدر وتُنعش الروح. لكننا للأسف، نُدير ظهورنا لهذا النعمة، ونذهب لنشتري دخاناً يحرق صدورنا، ويُطفئ نور حياتنا.
تأملوا هذه المفارقة: الله قد أنعم علينا بجنةٍ على الأرض وأكسجينٍ نقيٍّ ينعش الرئة والقلب ويهدئ الأعصاب، دواءٌ من رب العالمين. ومع ذلك، نعتكف في مجالس مكتومة، نُشعل فيها الفحم والمداعة والشيشة والسجائر وننشر دخاناً ملوثاً للهواء مسرطناً للجسم، فنستنشق سماً يحرق جهازنا التنفسي بأيدينا. أيُّ قومٍ نحن، نعيش في نعمٍ عظيمة، ثم نبحث عن البلاء ونشتريه بأموالنا؟
إن هذا الدخان يفعل عكس ما يفعله هواء اليمن النقي فبينما يوسع هواء بلادنا الشعب الهوائية ويغسل الرئة، يأتي الدخان ليُضيّقها ويُحرقها.
وبينما يخفض الهواء النقي الضغط ويُطمئن القلب، يرفع دخان الشيشة الضغط ويُجهد القلب ويزيد من خطر الجلطات. انه نقمةٌ نبتلي بها أنفسنا.
والمشكلة الأكبر أننا نُنشئ جيلاً مصاباً بالإدمان، فالطفل الذي يرى أباه يمسك السيجارة، أو أمه تضع المداعة، وأخاه ينفث دخان المعسلية ، أو صديقه في المدرسة معه شيشة إلكترونية، فيظن أن الرجولة أو السعادة هناك، فيفعل ما يفعلونه. وهنا يبدأ الفخ وهو الإدمان الخفي، فما يدخل صدرك هو مادة اسمها النيكوتين، تدخل من الرئتين إلى الدم، وتصعد إلى الدماغ فتوهمه بالراحة، لكنها راحة كاذبة ومؤقتة. فما أن ينخفض النيكوتين حتى يعاقبك جسدك بقلق وتوتر، وعصبية وصداع ودوار، وأرق واكتئاب، فتعود لتدخن.
وهذا ينطبق على كل الأنواع من الدخان، فكلها تحمل نفس السم. ثم بعد الإدمان يبدأ الجسد بالاحتراق من الداخل. مع كل نفس، تدخل آلاف المواد السامة إلى رئتيك مباشرة.
في البداية يسعل الجسد ليطردها، ثم يستسلم وتلتهب الشعب الهوائية، وتنتفخ الرئتان وتفقدان قدرتهما على التنفس، وهذا الطريق ينتهي في كثير من الحالات إلى سرطان الرئة. ولا يتوقف عند الرئة، فالدخان يمر بالفم والحلق والحنجرة والمريء والبنكرياس، ويترك في كل محطة بذرة لسرطان قد يظهر بعد سنوات. لهذا أطلق صندوق مكافحة السرطان حملته الوطنية الثانية عشرة، ليُذكّرنا بهذه الحقيقة التي نُغفل عنها وهي: إن التدخين هو الباب الأول للسرطان.
فيا أبناء وطننا اخرجوا وتنفسوا هواء بلادكم، ستجدون راحةً نفسيةً لا تُعطيها لكم ألف سيجارة، ستجدون صدوركم تنشرح وعقولكم تصفو.
المؤلم والمستفز أن الدخان أصبح اليوم يتصدر جلسات الفتيات الشابات، في النزهات والزيارات والاجتماعات حيث تأتي إحداهن تقدم المعسلية وكأنها رمزٌ للرقي، ولا تعلم أنها تُقدم لصديقاتها مرضاً مغلفاً، ويقمن بالتنافس على استخدامها، والبنت التي لم تكن تعرف الدخان تجامل صديقتها بنفس، ونفسين، حتى تألفها وتُدمنها، وهي تظنها خفيفةً وآمنةً لأنها بنكهات جميلة. لكن الحقيقة أن جلسة شيشة واحدة تعادل سم أكثر من ثلاثين سيجارة تدخل الصدر دفعة واحدة.
أيُّ رقيٍّ هذا الذي يبدأ بنكهةٍ زكية وينتهي بورمٍ خبيث؟
ثم تعالوا معي نقرأ تلك الرسالة المكتوبة على كل علبة سجائر في العالم: “التدخين يسبب سرطان الرئة وأمراض القلب والشرايين”. الشركة نفسها التي تبيعك السم تعترف أنه يقتلك، فماذا بقي من حجةٍ بعد هذا الاعتراف الصريح؟ هذه الجملة وحدها كافيةٌ لكل عاقلٍ وواعٍ ليتجنبه، إنها إقامةٌ للحجة عليك أمام الله وأمام نفسك. فحين يُصيبك المرض الخبيث لا قدر الله، لن يقف معك أحد، ستدفع ثمنه وحدك من جسدك ومالك ودموع أهلك. فأنت أولى برحمة نفسك من البداية. وقد جاءت هذه الحملة لتقيم الحجة وتوعي من لم يستوعب الخطر، فنتمنى أن تلقى الاستجابة والتفاعل من الجميع.
وأعلم عزيزي المدمن أن ترك هذه العادة قد يعتقد البعض أنه صعب، لكنها في الحقيقة ليست سوى فكرةٍ تسيطر على عقلك فتُطيعها يدك.
فإذا قطعت هذه الفكرة وحزمت أمرك، نجحت بعون الله. ولأن النفس تحتاج من يُعينها، فهذه طرقٌ مجربةٌ تُساعدك على الثبات ومنها: إذا شعرت برغبة بالتدخين، توضأ، أو امشِ، أو اشرب ماءً، واشغل يديك وفمك بشيء مفيد، أو ضع في جيبك قليلاً من المكسرات، وكلما شعرت بالحاجة للدخان، تناول شيئاً منه ستنشغل نفسك وتنسى. والتنافس على قطعها: بحيث يقوم الأصدقاء والأسر بعمل مبادرات وتحديات بينهم أو مسابقة عنوانها: من يستطيع أن يقطعها شهراً، ثم شهرين، ثم سنة؟ ويُكرم الناجح في هذا. هذه المبادرات والمنافسات هي التي تكسر هوى النفس، لأن الإنسان إذا وجد من يُشجعه، ترك ما يؤذيه، ومنها نستطيع تركها للأبد.
أخيراً نتمنى أن تلقى هذه الحملة استجابةً وتفاعلاً من الجميع، من الآباء والأمهات، والأصدقاء والمجتمع والدولة. وتذكروا، الدخان لا يحرق تبغاً، إنما يحرق عمراً كنت ستقضيه مع أحبابك.
