كتابات

محراب العزة ومقابر الغرور: كيف صاغت بنادقُ الحقِّ قصيدةَ الفتح؟

بقلم/ عبدالله عبدالوهاب العوامي

هنا تتنفس الصخورُ غضبَها، وتلفظ الأرضُ أثقالَها، هنا تتكسر نصال الغطرسة على دروع اليقين.

فجرٌ يتجلى، وليلٌ يندثر، ودماءٌ ترسم لوحةَ الخلود.

ما أعظمَ هذا الصباح! وكيف لا نعجب من أمة تولد من رحم الرماد، لتكتبَ ببنادقها سطوراً تُسمع الأصمَّ دويَّها، وتبهت الأعمى بنورها المشتعل.

في حيسَ والخوخة، نطقت الرمالُ مبتهجة، وفي المخا، تبدأ الأمواجُ تغسل عار الغزاة.

انظروا إليهم، تأملوا المشهدَ المخزي! كيف ولَّت جحافلُهم الأدبار، يتساقطون كأوراقِ خريفٍ نخرَها السوس، يجرُّون أذيالّ الخيبة، تاركين كرامتَهم المذبوحةَ تحتَ نعال المنتصرين، ذابوا كما يذوبُ الملحُ في الماء الأجاج، يستجدون رضا سيِّدهم، يتسولون نظرةّ عطفٍ من عدوٍ غادر، ونسوا في سكرةِ ارتهانهم أنَّ حزبَ الله هم الغالبون.

يا لضيعة المبادئ حين تُباع في سوق النخاسة! ويا لبؤس من استبدل العزةَ بالهوان، وافترشَ الذل لحافاً يداري به سوءةَ هزيمتِه.

خلفَ هذا الموجِ الهادر، بصيرةٌ لا تُخطئ، وقيادةٌ ربَّانية تقرأ في سفر الغيبِ بيقين لا يتزعزع؛ إنه القرآن، بوصلة الأرواح، يسيِّرهم، يحرِّكهم، وينطلق بهم كعاصفة لا تُبقي ولا تذر.

حكمةٌ إلهيةٌ تتجلى في كلِّ خطوة، ومجاهدون مؤمنون، قلوبُهم كزُبَر الحديد، يزأرون في وجه الموت، يعشقون الشهادةَ كما يعشقُ الجبناءُ الحياة.

هم ليسوا مجردَ مقاتلين، بل هم أقدار الله تمشي على الأرض، يحملون أرواحَهم على أكفِّهم، يقتحمون الردى، ويعانقون المنايا بابتسامةِ الواثق بوعدِ ربه.

اليوم، لا تسقط أقنعةُ المرتزقةِ فحسب، بل تتهاوى عروشُ الإمبراطوريات، وتحترق أساطير الهيمنة العالمية في جبالنا، فاليمن اليوم هو الميزان، من خفَّ فيه سقط في هاوية النسيان، ومن ثَقُل فيه ارتقى إلى ذُرى المجد، و نحن نصنع فجراً بشرياً جديداً، ونكسر عصا الطاغوت الأكبر، ليعلمَ العالمُ بأسره أن الدمَ ينتصر على السيف، وأن الأرضَ تورث لعباد الله الصالحين.

قفوا أيها الأبطال المنتصرون! سبحوا بحمد ربكم، واستغفروه، خروا ساجدين لمن وهبكم هذا النصر، لا تغتروا بقوتكم، ولا تركنوا إلى بأسكم، فما النصر إلا من عند الله، إياكم وكبرياء النفوس، فالتوفيق محض فضل إلهي، ولولا مدده لكنتم كغيركم، فسبحان من أعز جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.

وتلك الجارة، يا ويحها لو كانت تعقل! اثنا عشر عاماً من حصار لئيم، ونار تأكل الأخضر واليابس، هلَّا قرأتُم تاريخَ اليمن؟ ألم يأنِ لكم أن تُدركوا أنَّ الجبالَ لا تنحني للعواصف؟ لو كان فيكم بقيةٌ من حصافة، أو ذرةٌ من عقلٍ رشيد، لرفعتم حصارَكم الملعون، ولأنهيتم عدوانَكم البائس، ولكن أبى اللهُ إلا أن يمضيَ أمرَه، أرادوا طمسَ النور، فأبى اللهُ إلا أن يُتمَّ نورَه، لتكونَ كلمته هي العليا وكلمةُ الذين كفروا السفلى.

ويا أيها المغرر بهم، أين تفرون؟ وإلى متى في غيابات الجب تعمهون؟هلّا أفاق ضميركم! عودوا إلى رشدكم، ارجعوا إلى حضن وطن لا يضام أهله، ولا يغدر بمن لاذ به.

فهل من مجيبٍ يُنقذ نفسَه قبلَ أن يطويَه النسيان؟

فالنصرُ آتٍ، ووعد الله يتحقق، وموعد الفتح اقترب، وسيعلمُ الذينَ ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى