من فتح المضيق إلى استجداء الحلفاء.. ماذا بقي من انتصار ترامب؟

بقلم: د. جواد عبد الوهاب
حين دخل دونالد ترامب الحرب مع إيران، لم يدخلها بوصفها حربًا طويلة تحتاج إلى تحالف دولي واسع، بل بوصفها معركة حاسمة ستفرض فيها الولايات المتحدة إرادتها خلال وقت قصير. كان خطاب القوة واضحًا: ضرب إيران، اسقاط نظامها الإسلامي، تدمير قدراتها، إخضاعها، وفتح مضيق هرمز بالقوة.
لكن بعد أشهر من الحرب، تبدو الصورة مختلفة تمامًا.
فبدل أن يقف ترامب أمام العالم معلنًا أن إيران هُزمت وأن المضيق أصبح تحت السيطرة الأمريكية، خرج ليقول إن الولايات المتحدة “بحاجة إلى وقوف جميع حلفائها إلى جانبها لعزل التهديد الإيراني وهزيمته”.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف: إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على حسم الحرب عسكريًا، فلماذا تحتاج الآن إلى كل هؤلاء الحلفاء؟ وإذا كانت القوة الأمريكية قد نجحت في تحقيق أهدافها، فلماذا انتقلت واشنطن من لغة الحسم العسكري إلى التهديد بحرب اقتصادية شاملة؟
المسألة ليست مجرد تغيير في التكتيك؛ إنها اعتراف ضمني بأن الحرب لم تحقق الأهداف التي أُعلنت من أجلها.
من “سنفتح المضيق” إلى “ساعدونا على عزله”
كان مضيق هرمز أحد الاختبارات الأساسية لهذه الحرب. أرادت واشنطن أن تثبت أن القوة العسكرية الأمريكية تستطيع فرض حرية الملاحة متى أرادت، وأن إيران لا تستطيع استخدام موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية لفرض معادلة على الولايات المتحدة والعالم.
لكن الواقع أثبت أن المضيق لم يتحول إلى تفصيل هامشي في الحرب، بل أصبح إحدى أهم أوراق القوة الإيرانية.
والأهم أن واشنطن نفسها باتت تتعامل مع استمرار الأزمة باعتبارها مشكلة تحتاج إلى ترتيبات عسكرية واقتصادية واسعة، فيما لا تزال حركة النفط عبر المضيق أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب، رغم الجهود الأمريكية لتأمين جزء من حركة الناقلات.
لقد اكتشف ترامب أن السيطرة على المضيق ليست شعارًا يُكتب على منصة انتخابية، وإنما معادلة جغرافية وعسكرية واقتصادية معقدة.
ولذلك، فإن دعوته الحلفاء اليوم إلى الاصطفاف لعزل إيران تحمل دلالة سياسية أكبر من مجرد طلب المساعدة: إنها تعكس صعوبة تحويل التفوق العسكري الأمريكي إلى انتصار سياسي قابل للترجمة على الأرض.
وإذا كانت الحرب الاقتصادية تكفي.. فلماذا بدأت الحرب؟
السؤال الأكثر إزعاجًا لترامب هو: إذا كانت العقوبات والحصار الاقتصادي قادرين على إخضاع إيران، فلماذا بدأت الحرب أصلًا؟
لقد كانت إيران تحت العقوبات الأمريكية لعقود. ولم تكن واشنطن تفتقر إلى أدوات الضغط الاقتصادي عندما قررت الذهاب إلى الخيار العسكري.
كان المنطق الذي قدمته الإدارة الأمريكية للحرب قائمًا على أن العقوبات والضغوط السابقة لم تحقق المطلوب، وأن الحل يحتاج إلى استخدام القوة العسكرية لتغيير المعادلة.
أما اليوم، وبعد تعثر تحقيق الأهداف، تعود واشنطن إلى الورقة نفسها، ولكن بلهجة أكثر حدة، معلنة ما تسميه (حربًا اقتصادية) وتهدد الدول والشركات التي تقدم لإيران شريانًا ماليًا أو تجاريًا.
وهذا يطرح سؤالًا مشروعًا: هل كانت الحرب ضرورية أصلًا إذا كان الحل النهائي هو العقوبات؟
أم أن الحرب تحولت من وسيلة لتحقيق أهداف محددة إلى أزمة تبحث الإدارة الأمريكية الآن عن مخرج منها؟
القوة التي تحتاج إلى الآخرين
الأكثر دلالة في تصريح ترامب ليس حديثه عن عزل إيران، بل عبارة “نحن بحاجة إلى وقوف جميع حلفائنا”.
فالرئيس الذي يفاخر عادة بأن الولايات المتحدة تستطيع أن تفعل كل شيء منفردة، يجد نفسه اليوم بحاجة إلى الحلفاء لإنجاح سياسة اقتصادية يفترض أنها جزء من أدوات القوة الأمريكية التقليدية.
وهذا يكشف مشكلة أعمق: القوة الأمريكية تستطيع فرض العقوبات، لكنها لا تستطيع وحدها إجبار العالم كله على الالتزام بها.
فإيران ليست دولة معزولة عن الاقتصاد العالمي، ولها علاقات مع قوى كبرى ودول آسيوية وإقليمية، ولذلك فإن تحويل العقوبات الأمريكية إلى حصار عالمي يحتاج إلى موافقة الآخرين أو إخضاعهم، وهو أمر أكثر صعوبة بكثير من إصدار قرار من البيت الأبيض.
ولهذا جاءت دعوة ترامب للحلفاء
إنها محاولة لتحويل المشكلة الأمريكية من “كيف نهزم إيران؟” إلى “كيف نجعل العالم يساعدنا على خنق إيران؟” والفرق بين السؤالين كبير.
الحرب التي بدأت بهدف الاستسلام
في بداية الحرب، كان الخطاب الأمريكي أقرب إلى لغة الإملاء: إيران أمام خيار واحد، وهو الاستسلام.
أما اليوم، فالمشهد أكثر تعقيدًا. فالمفاوضات تعثرت، والهدن السابقة لم تحقق أهدافها، وأزمة المضيق مستمرة، وواشنطن تنتقل إلى أدوات اقتصادية أشد قسوة.
وهذا يعني أن المعركة انتقلت من محاولة فرض الاستسلام إلى محاولة رفع كلفة الصمود.
وهنا تكمن أهمية الموقف الإيراني: كل يوم يمر من دون تحقيق الأهداف الأمريكية الكبرى يجعل عامل الزمن يعمل ضد الرواية الأمريكية عن الحسم.
فالحروب لا تقاس بعدد الطائرات التي أقلعت ولا بعدد الصواريخ التي أُطلقت، وإنما بقدرة القوة المهاجمة على تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية.
وإذا بقيت إيران قادرة على منع واشنطن من فرض شروطها، وبقي مضيق هرمز ورقة تفاوضية، وبقيت الولايات المتحدة بحاجة إلى الحلفاء لتشديد الحصار، فإن الحديث عن (النصر) يصبح أكثر صعوبة.
من يطلب المساعدة ليس بالضرورة هو المنتصر
لا يعني ذلك أن الولايات المتحدة فقدت قوتها. فهي لا تزال القوة العسكرية والاقتصادية الأكبر عالميًا، وتملك أدوات ضغط هائلة. لكن القوة شيء، والقدرة على تحقيق الأهداف السياسية شيء آخر.
وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تُقرأ من خلالها دعوة ترامب للحلفاء.
فالولايات المتحدة تستطيع أن تقصف، وتستطيع أن تفرض عقوبات، وتستطيع أن تهدد، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تجعل إيران تفعل ما تريد.
والأخطر بالنسبة لواشنطن أن كل تصعيد جديد لا ينتج بالضرورة تنازلًا إيرانيًا، بل قد يدفع نحو مزيد من التصلب، ويزيد كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي، ويضع الحلفاء أنفسهم أمام خيارات صعبة.
لقد أراد ترامب حربًا تنتهي بفرض الإرادة الأمريكية على إيران. لكن بعد أشهر، يبدو أن السؤال لم يعد: متى تستسلم إيران؟
بل أصبح: كيف تخرج الولايات المتحدة من هذه الحرب بنتيجة تستطيع أن تسميها انتصارًا؟
وهذا هو الفارق بين أن تبدأ الحرب وأنت تعتقد أنك تملك كل أوراقها، وبين أن تكتشف في منتصف الطريق أن خصمك ما زال يملك ورقة لم تستطع انتزاعها.
لقد بدأ ترامب الحرب وهو يتحدث عن القوة. واليوم يتحدث عن الحلفاء.
وبين الخطابين، يقف مضيق هرمز شاهدًا على المسافة بين ما أرادته واشنطن وما استطاعت تحقيقه.

