كتابات

لماذا يراوغُ الأميركيون في تنفيذ اتفاق السويد اليمني؟

بقلم/ د. وفيق إبراهيم

الأميركيون هم الطرف الأساسي الذي أرغم التحالف السعودي الإماراتي على القبول باتفاق بين الأطراف اليمنية رعته منذ اربعة أشهر في ستوكهولم عاصمة السويد، الأمم المتحدة.

لحظ هذا الاتفاق إشرافاً أممياً على الموانئ الاساسية في مدينة الحديدة وتبادل الأسرى ووقف القتال على أكثر من محور، بعد أربعة شهور على عقد الاتفاق، فشل المراقبون الأمميون برئاسة مايكل لولسيفار في تنفيذ أي بند، فيما عرض المبعوث الخاص الى اليمن مارتن غريفيت في لقاء جمعه بأعضاء مجلس الأمن أسباب العرقلة محاولاً تحميل المسؤولية لطرفيها اليمنيين.

فهل اتفاق ستوكهولم آلية جدية للحل أم محاولة للتعامل مع مستجدات يحاول بعض الأطراف استيعابها وتمرير الوقت.

للاشارة فقط فإن آخر تصريح لوزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش المعروف بعمق علاقته مع الأميركيين قال ومنذ أيام عدة فقط إن الأولوية في اليمن هي «للمواجهة مع الحوثي»، فكيف يطبقُ الذاهب الى الحرب اتفاق ستوكهولم السلمي؟

لجهة السعودية فتصرُّ عبر ممثلي الجهة اليمنية المستتبعة لها على أن الاتفاق يشترط إخلاء المدنيين اليمنيين وقوات أنصار الله وتحالفاتهم من كل المرافئ والمواقع والمراكز في الحديدة على أن ينتشر فيها مراقبون دوليون وقوات أمنية تابعة لما تسمّيه دولة يمنية تتجسد في رئيس مزعوم هو عبد ربه منصور هادي الذي لا يغادر مقره في الرياض عاصمة السعودية ولو لدقائق.

أما الأميركيون فيصمتون على مراوغة فريق العدوان السعودي الإماراتي مواصلين اعتبار أنصار الله فريقاً إيرانياً.

هذان الموقفان الصادران حديثاً عن القوتين الأساسيتين لمنفذي هجوم مستمر على اليمن بدأ منذ أربع سنوات، يكشفان عن احتمالين: إما ان السعودية والإمارات لم تفهما الاتفاق او انهما تراوغان في التطبيق لإفشاله واتهام أنصار الله بالعرقلة.

الاحتمال الاول مستبعد، لأن اتفاق ستوكهولم اراد إنتاج هدنة برعاية أممية تتيح بناء مفاوضات في مراحل لاحقة لإنتاج حل سياسي للازمة الأمنية، وما كان ممكناً للامم المتحدة ان تتوصل الى اتفاق بين الطرفين اليمنيين يسمح لقوات هادي الأمنية بالسيطرة على الحديدة بموانئها ومواقعها، فالسيطرة على المدنية لا تكون إلا بهزيمة عسكرية للطرف المقابل وهذا لم يحدث.

ما يعني أن اتفاق ستوكهولم يبني هدنة على اساس انسحاب القوات السعودية والإماراتية ومرتزقة هادي من أطراف مدينة الحديدة الى مراكز خارج المدينة مقابل انسحاب القوى اليمنية الوطنية كيلومترات عدة الى الخلف، وبما أن أنصار الله هم الذين يسيطرون على مدينة الحديدة فإن تخليهم عن مراكزهم فيها يبعدهم عنها بضعة كيلومترات، حسب بنود اتفاق ستوكهولم. وهكذا يبقى أنصار الله في الداخل ويخرج التحالف السعودي منها.

لكن العبقرية السعودية الإماراتية اشترطت لتطبيق الاتفاق انسحاب المدنيين اليمنيين من أبناء الحديدة من كل الموانئ والمواقع للقبول بتنفيذ الاتفاق مع ضرورة انتشار القوات الأمنية المزعومة والتابعة لهادي بالتمركز فيها.

وهذا الفهم السعودي الملغوم لاتفاق ستوكهولم يكشف أن التحالف السعودي الإماراتي يريد إنجاز ما فَشِلَ عدوانه المستمر في إنجازه.

بالمقابل تواصل القوات السعودية الإماراتية شن هجمات متنوعة في تعز والتحيتا وحيس وصعدة ومحافظة حجة، حيث قتلت المئات من قبائل حجوز وشيوخها وذلك لرفضهم التورط في مهاجمة ابناء بلدهم.

كما يخرقون يومياً وقف إطلاق النار في الحديدة وجوارها الى درجة عودة الحرب الكاملة اليها، وسط صمت أممي يحاذر توجيه الاتهام الى التحالف الحربي السعودي خشية إزعاج الأميركيين.

يتضح اذاً أن هناك إصراراً سعودياً إماراتياً على عرقلة اتفاق الحديدة، فلماذا قبلوا بهذا الاتفاق اذا كانوا لا يريدون تنفيذه؟ ولماذا يصمت الأميركيون بمساندة بريطانية ماكرة تلعب على كل الأطراف؟

تشير هذه المستجدات الى ان اتفاق ستوكهولم يعكس محاولة أميركية لاستيعاب مستجدات على مستوى التنافس السياسي في الداخل الأميركي والخارج الأوروبي.

ويسجل لعبة سعودية للتخفيف من النقمة العالمية على آل سعود بعد اغتيال ولي عهدهم محمد بن سلمان الإعلامي جمال الخاشقجي في قنصلية بلاده في تركيا.

لقد اتخذت القوى المناهضة لسياسات الرئيس الأميركي ترامب من اغتيال الخاشقجي منصة تحايلية لمهاجمة ترامب الذي أساءت سياساته وجشعه الاقتصادي لكل علاقات بلاده بأصدقائها، فتذكرت حرب اليمن المنسيّة كوسيلة لتطويق ترامب وإبداء الحسرة على آلاف القتلى من المدنيين الذين قتلهم العدوان السعودي الإماراتي بإشراف أميركي وتعاون مع الإسرائيليين.

وبما أن الفريق السعودي الإماراتي عجز عن تحقيق انتصار في اليمن مؤدياً الى انكشاف أمره حتى في الجنوب والوسط اليمنيين الذي كان يزعم أنهم مؤيدون لحربه على أنصار الله.

هذا الجنوب وذاك الوسط يشهدان حالياً تحركات رافضة لما يسمّياه بالاستعمار السعودي الإماراتي لبلادهم.

لذلك دفع الأميركيون نحو عقد اتفاق ستوكهولم كوسيلة لاستيعاب النقمة العالمية على أدوارهم في اليمن، وبدوره الحلف السعودي الإماراتي أيدها لامتصاص النقمة الدولية على السياسات السعودية الداخلية والخارجية واليمنية، صحيح أنهم وافقوا عليها لكنهم اتفقوا على أنها وسيلة مؤقتة لتنفيس الاحتقان المتصاعد في وجه السياسات الترامبية والمتعلقة بالسعوديين.

لذلك يُطبقُ الفريق السعودي سياسات الإجهاض المرحلي لاتفاق الحديدة ومحاولة تصوير أنصار الله كفريق لا يريد حلاً.

أما لجهة الأسباب فإن الحديدة تكاد تكون أهم نقطة تعمل السياسة الأميركية للسيطرة عليها بشكل مباشر وبالالتفاف. وذلك لإشرافها المباشر على باب المندب بما هو أهم معبر استراتيجي دولي تمر منه 25 في المئة يومياً من التجارة العالمية.

هذه هي الأسباب الحقيقة للمراوغة في تطبيق اتفاق ستوكهولم وهي أسباب أميركية واضحة لا لبس فيها، أما الاهتمام السعودي فذهب لمحاولة السيطرة على النظام السياسي اليمني للإمساك بكامل الدولة، في حين ان اهتمام الإمارات له أبعاد اقتصادية ويعمل لصالح النفوذ الأميركي.

اليمن الى أين؟ ما يجري اليوم ليس إلا نموذجاً جديداً لحروب تاريخية ضخمة استهدفت اليمن دائماً. وكان شجعان اليمن يردون الغزاة على أعقابهم وهم اليوم يواجهون بلداً قالت المراكز الدولية إنه الأول دولياً على لائحة مشتري السلاح. وهذا لم يضعف ابطال اليمن الذين يواصلون هزيمة قوى العدوان بصلابة الشجعان وعمق الانتماء الى جبال شوامخ كسرت كل أنواع المحتلين ولا تزال.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق