اجتماع في واشنطن حول سوريا؛ كيف سينعكس وماذا يعكس؟!

اجتماع في واشنطن حول سوريا؛ كيف سينعكس وماذا يعكس؟!

- ‎فيبـأقـــلامـــهـم

مقالات

لا يحق لأي بلد أيا كان ومهما كان أن يُملي على بلد آخر شروطه الخاصة التي تخدم مصالحه وغاياته أو أن يكتب له دستور البلاد ويصدره له على مقاس المنتج لا المستهلك.

هذه الأمور تحدث في حال كان البلد يرزح تحت ذل الاستعمار، وفي حال لم يكن الأمر كذلك فإن دستور أي بلد أو دولة لايحق لأحد أن يكتبه سوى الشعب نفسه وهو فقط من يقرر مصير بلاده ويتحمل كذلك هذه المسؤولية التاريخية التي ستلقي بظلالها على أبنائهم الذين لن يصفحوا عن آبائهم في حال تلاعبوا بمصير البلاد.

واليوم سنتحدث عن سوريا التي دفع شبابها منذ الاحتلال العثماني وحتى الآن تكاليف باهظة كلفتهم أرواحهم ومستقبلهم مقابل الدفاع عن حدود بلادهم ووحدة أراضيها ورفض الوصاية، واليوم تتكرر المحنة في سوريا وتقترب من عامها الثامن مع اختلاف شكل المعتدي وأسلوبه وأدواته التي حضرها بعناية فائقة للانقضاض على هذا البلد الذي يتربع في منتصف العالم جغرافيا ونظرا لدوره البارز في الدفاع عن قضاياه والتمسك بها كان لابد له أن يدفع الثمن.

في سوريا قامت الدول الكبرى بخلط المعادلات والمفاهيم واحداث شرخ داخل المجتمع السوري لسهولة السيطرة عليه، ومازالت تدفع هذه الدول في هذا الاتجاه وخير مثال على ذلك الولايات المتحدة الامريكية التي لاتختلف ادارة فيها عن سابقتها وربما الجديدة أكثر شراسة، وفي كل مرة يتشكل فيها خط سياسي دبلوماسي شعبوي يساعد سوريا على تلمس الطريق للخروج من هذا النفق المظلم تقوم أمريكا بقطعه وإضافة عقدة جديدة له، واليوم تريد واشنطن بمساعدة حلفائها في الغرب والمنطقة بوضع مسودة إصلاحات دستورية وإعادة هيكلة للمؤسسات الدستورية السورية، على أنّ يتمّ تسليم “مسودة الإصلاحات” للطرف الروسي عند إنجازها.

هذا الكلام يبعث على الضحك حتى الوقوع ارضا لما ينطوي عليه من روح استعمارية قذرة تم فيها إبعاد أي طرف سوري عن هذه المفاوضات وكأن الشعب السوري جاء من عصر الجاهلية ولايعرف أن يضع دستوره بنفسه. هذا الاستخفاف والاستكبار الغربي تجاه المنطقة لن يؤتي أكله في ظل وجود قامات وطنية شريفة تملك غيرة وطنية تجاه بلادها في سوريا وغيرها من البلدان المجاورة.

مسودة الاصلاحات الجديدة التي تريد أن تتحفنا بها واشطن جاءت نتيجة لاجتماع خماسي عقد في واشنطن حول الملف السوري يوم الجمعة الماضي وحضره ممثلون عن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والسعودية والأردن، وكشف عن هذا الاجتماع مصدر في وزارة خارجية أوروبيّة لقناة “الميادين”.

وبحسب المصدر الأوروبي فأنّه لم يشارك أيّ من شخصيات المعارضة السورية في الاجتماع الخماسي، كاشفاً عن اجتماع جديد سيُعقد حول الموضوع نفسه الأسبوع المقبل من دون مشاركة المعارضة السورية أيضاً، هذا الكلام يحمل في طياته دلالات كثيرة:

أولاً: الجميع يعلم بأن الأمور اليوم تتجه في سوريا لصالح الجيش السوري وحلفائه على الأرض خاصة بعد تقدمهم المتسارع في تخوم محافظة ادلب واقترابهم من تحرير مطار “أبو الضهور” وهذا يعتبر خبر غير جيد لكل من واشنطن وأنقرة اللتان ستحرصان بكل ما أوتيتا من قوة لمنع تقدم الجيش هناك، ولكن الوقائع على الأرض لاتناسب تطلعاتهم، لذلك سارعت الاولى أي “واشنطن” لجمع حلفائها وخلق ورقة ضغط جديدة في ظل اقتراب تسوية جديدة تلوح في الأفق.

ثانياً: لمن ينتبه لكلام المصدر الأوروبي يجد أنه قال صياغة مسودة اصلاحات دستورية وليس صياغة مسودة دستور، وهذا يعكس في طياته ماتحدث عنه في البند الاول.

ثالثاً: ضعف المعارضة المسلحة والمعارضة التي تقطن في الخارج، فضلا عن تطرّف بعض المفاوضين في منصّة الرياض صبّ في صالح سوريا لناحية تأخير أي صفقة، وهذا بدوره أنتج سيطرة ميدانية للجيش. لو لم تشترط هذه المعارضة رحيل الأسد بعد ان كانت قوّة بارز على الأرض لنجحت في الحصول على امتيازات أكبر من الوضع القائم بعد استعادة الجيش السوري للعديد من المناطق الاستراتيجية.

رابعاً: الاجتماع الخماسي الذي عقد في واشنطن لم يشترك فيه أي طرف سوري مفاوض، وهذا يحمل وجهين ايجابي وسلبي، الايجابي يتمثّل في عدم حضور شخصيات متطرّفة تفرض شروط مسبقة لا تراعي فيها شروط التفاوض ولا الميدان، وأمّا السلبية فغياب الطرف السوري بالكامل، والسؤال هنا كيف يمكن لمن هم ليسوا سوريين وضع مسودة دستورية لبلد لا يعلمون طبيعة سكانه ولا تقسيماتهم ولا حتى كيف يمكن أن يتناغموا فيما بينهم عبر هذه الاصلاحات الدستورية التي يصدرها لهم طرف أجنبي غالبية الشعب ترفض وجوده على أراضيها وتطالبه بالانسحاب منها ليل نهار؟!.

خامساً: في حال وافقت أطراف من المعارضة على هذه التعديلات الدستورية بطريقة عمياء، فإن هذه التعديلات ستصبح مادّة للعرقلة.

في الختام؛ لن ينقذ السوريين سوى السوريين أنفسهم ولن يكتب لأي دستور يستورد من الخارج النجاح على الأرض السورية نظرا لتعقيدات هذا البلد الذي لن يستطيع أن يفهمه سوى أبنائه، وهناك أمثلة كثيرة عن دساتير سورية وضعت في ظل الاحتلال عام 1920 أو حتى عام 1932 والتي كان يسعى من خلالها المستعمر لشرعنة احتلاله عبر الأطر الدستورية.

شارك