أكراد العراق يواجهون خيارات الصعبة في ظل القرارات الأخيرة للمحكمة الاتحادية العليا

أكراد العراق يواجهون خيارات الصعبة في ظل القرارات الأخيرة للمحكمة الاتحادية العليا

- ‎فيبـأقـــلامـــهـم

مقالات

لقد شهد العراق خلال الأشهر الأخيرة الكثير من التطورات على الساحة السياسية والأمنية. فقضية الاستفتاء على الاستقلال التي قامت بها المناطق الكردية في العراق والتي أجريت في “25/9/2017″، تعد من اهم تلك الأحداث السياسية التي عصفت بالعراق منذ عام 2003 وحتى الآن.

وفي ظل هذه الأوضاع الجديدة، يسعى الأكراد جاهدين للدخول مع الحكومة المركزية في محادثات بدون إلغاء نتائج هذا الاستفتاء وذلك بسبب أنهم أدركوا مؤخرا بأنهم فقدوا السيطرة على مدينة “كركوك” وأجزاء كبيرة من المناطق المتنازع عليها ولكن لم توافق الحكومة المركزية في العراق، على تعليق نتائج هذا الاستفتاء ودعت مرة اُخرى حكومة كردستان إلى إلغاء نتائج هذا الاستفتاء.

وعلى الرغم من أن هذا الاستفتاء الذي قام به إقليم كردستان العراق، يفتقر إلى الشرعية، إلا انه في مثل هذه الحالات يجب على المحكمة الاتحادية العليا في العراق أن تصدر بيانا يؤكد علی عدم هذه الشرعية. و في هذا السياق، أكدت المحكمة الاتحادية العليا في العراق يوم الثلاثاء الماضي على أهمية الوحدة الوطنية، وذلك بالاستناد إلى المادة الأولى من الدستور العراقي ولكن فيما يتعلق بإلغاء الاستفتاء، فلقد صرحت المحكمة العليا بآن الأدلة غير كافية ولهذا فأنها سوف تؤجل التصويت حول ذلك. وبعد يوم واحد من إعلان المحكمة الاتحادية العليا قرارها هذا، صرحت حكومة كردستان العراق في بيان لها، بأنها تحترم قرار المحكمة الاتحادية العليا والذي دعت فيه إلى الوحدة الوطنية، وأكدت بأنها سوف توافق على أي قرار ستصدره هذه المحكمة حتى ولو صوتت على إلغاء نتائج هذا الاستفتاء. وقالت حكومة كردستان أيضا في بيان لها: “نحن نحترم تفسير المحكمة الاتحادية العليا للمادة الأولى من الدستور، وفي نفس الوقت نؤكد إيماننا بأن يكون ذلك أساساً للبدء بحوار وطني شامل لحل الخلافات عن طريق تطبيق جميع المواد الدستورية بأكملها بما يضمن حماية الحقوق والسلطات والاختصاصات الواردة في الدستور باعتبارها السبيل الوحيد لضمان وحدة العراق المشار إليه في المادة الأولى من هذا الدستور”.

أن حكومة “أربيل” تسعى دائما إلى حل نزاعاتها مع بغداد في إطار القانون والدستور. ولقد صرحت بأنه تُرحب بجميع المبادرات المقترحة في هذا الصدد، بما في ذلك المبادرات التي دعا إليها “آية الله السيستاني” وبعض الشخصيات العراقية والدول الصديقة، والتي دعت إلى ضرورة الرجوع إلى الدستور العراقي لحل مثل هذه النزاعات. إن المادة الأولى من الدستور العراقي تؤكد على أن جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة ومستقلة وذات سيادة كاملة ونظام الحكم فيها جمهوري برلماني ديمقراطي وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق.

الجدير بالذكر هنا بأنه هنالك نقطتان مهمتان في هذا البيان الذي أصدرته حكومة “أربيل”: أحدهما قبول “أربيل” لجميع القرارات التي تصدرها المحكمة الاتحادية العليا العراقية والنقطة الآخرى، هي إصرار المناطق الكردية على تسوية نزاعاتها مع بغداد من خلال التفاوض وبمشاركة “آية الله السيستاني” كوسيط في هذه المفاوضات. وعلى الرغم من هذا كله، تُثار هنا الكثير من التساؤلات، لماذا أصدرت حكومة كردستان العراق مثل هذا البيان في هذا الوقت بالتحديد؟ وأيضا، هل يمكن لهذا البيان القدرة على حل النزاعات بين “أربيل” وبغداد؟

وهنا يمككنا سرد بعض النقاط الهامة التي تتعلق بالأسباب التي دفعت “أربيل” للتخلي عن مواقفها السابقة والتي ظهرت بشكل واضح خلال الأيام السابقة، لقد فقدت المنطقة الكردية الكثير من مصادرها المالية وذلك عقب فقدانها السيطرة على مدينة كركوك الغنية بالنفط وعلى وجه الخصوص، عندما فقدت السيطرة على مصافتي التكرير الهامتين “باي حسن” و”هافانا”، واللتان تعدان مصدران رئيسيان للنفط في العراق وغرب آسيا، وهذا الأمر لعب دورا رئيسياً في انهيار الاقتصاد الكردي. ونتيجة لهذا الأمر، فإن حكومة “أربيل” لا تستطيع في وقتنا الحالي الوفاء بمتطلبات ميزانيتها وليس بمقدورها أيضا دفع رواتب نصف موظفيها الحكوميين. ووفقا لبعض المعلومات، فلقد انخفضت صادرات كردستان النفطية من 600،000 برميل إلى 250،000 برميل يوميا.

وبالإضافة إلى ذلك، يمكن اعتبار غياب الدعم الدولي والإقليمي للمواقف السياسية التي قام بها إقليم كردستان فيما يتعلق بقضية الاستفتاء، يُعد سبباً رئيسياً آخر لتخلي قادة الحزب الديمقراطي في كردستان العراق وعلى رأسهم “مسعود بارزاني”، عن مطالبهم السابقة. فعلى الساحة الدولية، وبصرف النظر عن النظام الصهيوني، لم تدعم أي حكومة النهج الانفصالي لـ”برازاني”، وهذا الأمر وضع عبئاً مزدوجاً على القادة السياسيين الأكراد في إقليم كردستان. ونتيجة لهذه الظروف، فلقد أدرك الأكراد بشكل واضح، بأنهم يحتاجون إلى تلك التمويلات المالية التي ترسلها لهم بغداد وبأنه ليس هنالك إمكانية قانونية وعملية للانفصال عن بغداد.

وبغض النظر عن الأسباب التي دفعت حكومة إقليم كردستان العراق لإصدار مثل هذا البيان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو هل يمكن لهذا البيان أن يحل جميع النزاعات المتراكمة بين الطرفين أم لا؟. في البداية، يمكن اعتبار هذا البيان الذي أصدرته “أربيل”، بأنه تصريح إيجابي وخطوة إيجابية إلى الأمام لحل النزاعات، ولكن تجدر الإشارة هنا، بأن أي نوع من التفاوض أو الاتفاق بين “أربيل” والحكومة المركزية في العراق يجب أن يخضع للشرط السابق المتعلق بإلغاء نتائج الاستفتاء على الاستقلال. ففي الواقع، لقد بدأ أكراد العراق في اللعب بشكل متناقض مع الدستور العراقي. فهم من ناحية، يرغبون في الامتثال للدستور العراقي، ومن ناحية أخرى لا يريدون إلغاء نتائج استفتاء استقلال المناطق الكردية. والعجيب في الأمر انهم في ظل هذه الظروف، يتوقعون أن تقبل الحكومة المركزية في بغداد مطالبهم هذه ولكن هذا الأمر يعد في عالم الواقع السياسي مستحيل وغير ممكن. ونتيجة لهذا فإن الحكومة المركزية في العراق، طالبت إقليم كردستان إلغاء جميع نتائج استفتاء الاستقلال الذي اجري في الخامس والعشرين من شهر سبتمبر من هذا العام، قبل الدخول في أي مفاوضات أو اتفاقيات.

وبالإضافة إلى ذلك، يوجد هنالك الكثير من القضايا المهمة التي أدت إلى زيادة حدة النزاعات بين الحكومة المركزية و”أربيل”، متمثلة في السيطرة على المناطق المتنازع عليها ومراقبة المعابر الحدودية والجوية وإبرام عقود صفقات النفط مع الشركات الأجنبية وبيع وتصدير النفط، والتجارة الخارجية وما إلى ذلك والتي انتهكتها حكومة “أربيل” خلال السنوات الماضية على الرغم من أن تلك القضايا تعتبر من صلاحيات وتحت سلطة الحكومة الاتحادية المركزية. والآن يجب علينا أن ننتظر ونرى كيف ستتعامل “أربيل” في ظل هذا الوضع الجديد المليء بالقيود القانونية والسياسية الشديدة في مفاوضاتها مع الحكومة المركزية.

شارك