كتابات

الفكر والتنظيم.. جدل الضرورة

الطروحات التي جرى تسويقها إعلاميا?ٍ على الصعيدين العام والحزبي? تحت مسميات الأحزاب الشقيقة والفكاك التنظيمي والقيادات السوبر بعثية..إلخ? تسقط من حسابها الطبيعة الجدلية لعلاقة الفكر/التنظيم في عملية الإنتاج الثقافي? وهي مسألة ترتبط بالحدود التي يصل إليها الفعل التنظيمي حامل الفكر.

في وضع محكوم بالانكفاء القطري? يكون حدود المنتج الثقافي? قطريا?ٍ? حصرا?ٍ ومحكوما?ٍ بالأنساق الثقافية الشعبوية السائدة التي تملك من الحضور والفعالية أكثر مما يملكه التنظيم نفسه? مما يعني أن الحزب في حالته القطرية? إنما يعيد إنتاج ذاته قطريا?ٍ فكرا?ٍ/وثقافة ضمن صيغ يتصالح في بدايتها مع الأنساق الثقافية السائدة? لينتهي جزءا?ٍ شاذا?ٍ في مكونها العام? سرعان ما يتم تجاوزه من قبل الأنساق الثقافية الكبرى.

لعل غياب هذا الفهم بجدلية العلاقة بين الفكر/التنظيم? هو ما فسر محاولة البعض من الحزبين التماهي مع الثقافة الدينية الشعبوية بكل أطيافها التمزيقية– المذهبية – العشائرية? وحتى الإثنية منها? وهي ظاهرة تعكس خطورة الوضع الذي وصل إليه الحزب? والتي تترجم حالة الإفلاس الثقافي/الفكري الناجم عن مصادرة المهمة الحزبية? بكل ما يستتبعها من حقوق في الرأي? والنقد والنقد الذاتي? والمبادرة بحيث يبدو الأمر وكأن حزب البعث العربي الاشتراكي أضحى امتدادا?ٍ لفكر اغترابي لا يمت للمنابع الأساسية للحزب بصلة? لهذا تأتي الدعوة إلى الانكفاء التنظيمي? استجابة متساوقة مع الحالات الارتدادية الراهنة التي يعيشها الحزب.

والعكس يكون صحيحا?ٍ عندما يأخذ الفكر بعده القومي? هنا يصبح الواقع القومي مادة إنتاج ثقافي للارتقاء بسوية الوعي القومي? متجاوزا?ٍ بذلك البنى التقليدية السائدة التي تنتسب إلى وعي ارتدادي ماضوي. لقد تميز الحزب عن غيره من الحركات اليسارية والقومية بمزية التلازم بين الفكر والتنظيم? رغم اشتراك البعض بهذه الخاصية? إلا أنها لم تأخذ البعث القومي الذي ذهب إليه الحزب? وقد انعكس ذلك على قدرته المطابقية والاستقرائية في التعامل مع قضايا وإشكالات الواقع القومي? كما تمكن في الوقت ذاته? من تطوير آليات ووسائط فاعلة في توفير الإجابات الناجعة للعديد من المسائل السياسية والاجتماعية والاقتصادية? شكلت في مجملها الإطار العام لمنظومة الأفكار البعثية? كما جرى التعبير عنها قولا?ٍ وممارسة عبر مفردات ومصطلحات كانت تميز وبوضوح البعثي عن غيره من القوى الأخرى”? هذه خاصية نفتقدها اليوم مع توقف قدراتنا على الإبداع الثقافي.

من دون الدخول في تفاصيل العلاقة التنظيمية بين المركز القومي والمنظمات القومية والتي هي بأمس الحاجة لمراجعة شمولية? يمكن القول بأنه لم يحدث أن شكلت هذه العلاقة حالة إرباك سياسي في علاقة دولة الحزب بالدول العربية الأخرى? كما أنه لم يصل إلى القيادة ما يفيد بامتعاض أو احتجاج هذه الأطراف على النشاطات التي تمارسها المنظمات في ساحاتها القومية? خاصة وأنها تمارس نشاطها ضمن القوانين المرعية لكل قطر? مما يسقط الذريعة بالتستر وراء فرضية غير قائمة? وفي الوقت ذاته فإن هذا لا يسقط أهمية البحث عن بدائل فاعلة للعلاقات الراهنة مع المنظمات القومية. فلسنين طويلة والمنظمات القومية تعيش حالة من التسيب والضمور الثقافي والصراعات الداخلية? الأمر الذي يتناقض وتاريخ حزب البعث العربي الاشتراكي? كحركة قومية امتلكت في لحظة ما? زمام المبادرة الفكرية/السياسية على الساحات العربية قاطبة? ولم تظهر فيه اشكاليات المركز/الاطراف بل كانت كل ساحة عربية تتصرف على هذا الصعيد باعتبارها مركزا.

هذه مسألة كان يفترض مواجهتها مبكرا?ٍ من قبل المركز? إلا أن التعقيدات التي أشرنا إليها سابقا?ٍ? حالت دون تقديم الحلول الناجعة لهذه الإشكاليات الحزبية? مما أبقى الوضع على ما هو عليه في انتظار التغيير. ما نود التأكيد عليه في هذا السياق هو أن الوضع الراهن للمنظمات القومية في علاقاتها بالمركز لم يكن في يوم من الأيام مثار اعتراض سياسي من قبل الأنظمة التي تمارس فيها المنظمات نشاطها السياسي/الثقافي? بقدر ما هو ناجم عن تصور قيادي قاصر في بلورة مخارج حقيقة وطبيعة للإشكاليات القومية تحت مسميات الخوف من إثارة حساسية الأنظمة العربية? باعتبار العلاقة القومية تدخلا?ٍ في الشأن القطري? وهذا لم يحدث أبدا?ٍ حسب علمنا على الأقل.
الجوهر يكمن في طبيعة الآليات التنظيمية التي تكلست وتخشبت? ولم تعد ذات جدوى أو فاعلية في تسيير الشؤون الحزبية. في ظل وضع طبيعي للعملية الحزبية? يكون التطوير محكوما?ٍ بآلياته الذاتية دون الحاجة إلى جراحة عشوائية يصعب تقييم أثرها المستقبلي.–

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق