اراء وتحليلات

مثقف مع مرتبة الجوع

في كل العوالم? وعلى اختلاف قناعاتها واتجاهاتها? وحتى كما أظن دائما تلك التي لم نكتشفها بعد? يكون فيها للحرف حضور بهي تتعلق به ملايين الآذان والأعين? كأنه فسيفساء قديمة آتية من حيث لا يدرون? وي?ْنزل صاحبها منزلة الملوك? تنثر حوله آلاف النجوم المضيئة? يكون فيها وحده السيد المطاع? لأنهم يعوون جيدا أن الثقافة والعلم قبل المادة في وضع أركان الأوطان? وعلى اختلاف منهجها? ويوقنون أكثر أن المال في حضرة أمة جاهلة? إنما يكون كارثة ووبالا?ٍ على أهلها. ولنا في كثير من الدول التي اعتمدت على البهرجة الخداعة? ونسيت تغذية عقول أبنائها? عبرة وعظة.
ولأن العقول الصانعة للحضارات على تنوعها? كان عمادها الأول العلم والثقافة? وكان المثقف هو المعول الأول في بناء الشعوب العريقة القائمة على منهج فكر واعمل. أي أن الثقافة هي حالة حسية ومعنوية يصنعها الإنسان لنفسه ولمن يحيطون به? وبها يقودهم نحو المستقبل بوضوح وصدق? وبالتالي يعكس مستوى فكر المجتمع وحالة أبنائه العلمية ونشأتهم? ومدى تمدد المستوى الثقافي وتأثير مثقفيه على كافة الأصعدة.
وفي ظل ذلك التواجد الخجول للثقافة والمثقفين في بلادنا? والذي لم يكن عاملا?ٍ مساعدا?ٍ على رصف طرقات الأجيال القادمة من رحم معاناة وطن مبعثر بين أزقة الفقر والعوز والجهل? أصبحت الثقافة وصانعوها مجرد (فزاعة) يخوف بها المستفيدون من بقاء الوضع على ما هو عليه? كل من سولت له نفسه التعبد في زوايا الثقافة والمثقفين? أو دخول محاريبهم البسيطة الخالية من كل كماليات الحياة إلا من كتب قديمة ومعلومات بائسة في نظر الكثير.
وكلما هم شاب ما زال يحبو على أزقة العلم والثقافة? بالدخول نحو ذلك الطريق? والغوص فيه بتمعن? قادته كل خرائط الجهل المصنوعة بإحكام? إلى أن حلمه الوردي لا يسمن ولا يغني من جوع? وأن الفقر والعوز هما علتا كل مثقف.
ذلك المثقف المسكين الذي قتله التهميش وتعمد تشويه صورته الجميلة? ومدى أهميته? وصنع مثقف (أبو لمعة) تجده في أحسن مظهر? إن رأيته قلت هذا ملك يقف في تبسط بين الناس? وسرعان ما تكتشف أنه إنما يقف بين الناس ليقايض صاحب كشك الجرائد بجرائد قديمة لأجل أن يحصل على أخرى جديدة? له مقال فيها أو عمود ما? لكنه لا يملك مالا يشتريها? فهو غالبا لا يقرأ ما يكتب? لأنه لا يجيد أن يقنع الريال بالقدوم نحوه.
وفي أبسط الأحوال يجد دائما من يدفع ثمن الجريدة عوضا عنه يهديها له كونه عرفه? ويكون بالتالي قد دفع ثمن درس تعلمه (ابعد عن الثقافة وغن? لها). لعن الله ثقافة تجر خلفها بطنا?ٍ خاوية وجيبا?ٍ فارغا?ٍ.
الجميع يلهث خلف المال? يخطط ويرسم الأساليب المختلفة للحصول عليه? وصاحبنا يلهث خلف الجرائد والكتب والمخططات? يسهر ليلا مشردا يعد فخرا كم كتابا قرأ وكم بيتا شعريا يحفظ? بينما وفي الجهة الأخرى تعد زوجته كم بقي من مصروف البيت? وينتظر أبناؤه ما بقي من طلبات المدرسة.
وحده هو من تتذكره (وزارة الثقافة) بعد موته لتكرمه عن مسيرته الحياتية الحافلة بالعطاء? وكأن حياته لم تكن كافية لتقنعهم بأهمية النظر إليه وتكريمه وإعطائه حقه حيا ليكمل المسيرة? أو كأنهم يعطونه مكافأة على أنه مات وأراحهم منه ومن علمه الذي يخشون أن يفسد جيلا جاهلا صنعوه وبكل فخر.
وهو يطبق المثل القائل “ومن الحب ما قتل”? فأصبح مقتولا بلا ذنب? سوى أنه أحب الكتاب وعشق الحرف? فأرداه ذلك الحب قتيلا في الحياة وقتيلا بعد الممات.
يرقد على فراش الموت شهورا وقد تمتد لسنين? لا ينظر إليه أحد? بينما لو أصابت أحد الناهبين المتاجرين بحياتنا (شكة دبوس) تجده يطير على أول طائرة ليحلق في عالم الفحوصات الطبية المختلفة من بلد لآخر? خوفا عليه من مضاعفات تلك (الشكة).
لم تعد الكتب اللامعة ولا الثقافة ولا المثقفون يقنعون أحدا?ٍ في زماننا هذا بصوابية ما يفعلون.
أصبحت الكتب تباع على الأرصفة? وبأبخس الأثمان? لا يقدر ثمنها إلا من يعرف قيمة ما تحمل? ولا يعرف قيمة من يحملها إلا هي وحدها.
بينما يباع السلاح وعلى مختلف أنواعه? بأبهظ الأثمان? ويحافظون عليه وكأنه أحد أبنائهم.
زمنا لم يعد للحرف ولا كاتبه ولا معلمه قيمة فيه? بل أصبحت كل القيم تتمحور في القتل والتجويع والإبادة.
لم يعد لبناء الأوطان مكان? فلكل وطن مأساة لا تنتهي? اسمها “مثقف أفندي جيعان”.
الاولى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com