اراء وتحليلات

18 عامًا على غزو العراق.. المشروع الأميركي الى الفشل

بقلم/ عادل الجبوري

رغم مرور ثمانية عشر عامًا على غزو الولايات المتحدة الأميركية للعراق واحتلاله تحت مظلة التحالف الدولي، بذريعة الإطاحة بنظام صدام، ما زالت الإدارات الإميركية المتعاقبة، ومراكز الدراسات والإبحاث ووسائل الإعلام تعمل جاهدة على ايجاد المبررات والمسوغات المقنعة لكل ما قامت به أميركا واقترفته من جرائم وانتهاكات ضد العراقيين، وما زالت كل مبرراتها وحججها وذرائعها غير مقنعة بما فيه الكفاية، ليس للعراقيين فحسب، وانما لأوساط واسعة من الرأي العام الأميركي والغربي، ناهيك عن محافل سياسية واكاديمية وثقافية في داخل الولايات المتحدة وخارجها.
وما يصدق على حرب أميركا ضد العراق، يصدق على حروب مماثلة عديدة شنتها على دول مختلفة خلال العقود السبعة المنصرمة، لعل من ابرزها حرب فيتنام (1955-1975)، وحرب افغانستان (2001-2014)، حيث إن الأدوات والممارسات والسلوكيات والأهداف والذرائع والمبررات واحدة مع اختلافات بسيطة ترتبط باختلاف الأحوال والظروف.
وتؤكد دراسات أميركية، أن ما يسمى بـ”الحروب على الإرهاب” التي اندلعت مباشرة بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، أدت الى مقتل 800 ألف انسان، ومن بين هؤلاء ٣٣٥ ألف مدني، وتسببت بتهجير ما لا يقل عن ٣٧ مليون شخص في أفغانستان والعراق وسوريا وباكستان واليمن والصومال وليبيا والفلبين وغيرها، علما أن تلك الحروب كلفت أكثر من ستة ترليونات دولار، وألحقت دمارًا كبيرًا بالبنى التحتية لتلك الدول، وخلفت كمّا هائلًا من المشاكل والأزمات الحياتية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والسياسية، تتطلب معالجتها عقودًا -وليس أعوامًا- طويلة من الزمن.
ومنذ مطلع العقد الماضي، استفاد مختلف الرؤساء الأميركيين من التفويض الصادر من قبل الكونغرس الاميركي عام 2002، المعروف اختصارا AUMF، والذي أتاح لإدارة الرئيس الاسبق جورج دبليو بوش، غزو العراق، تحت ذريعة “الدفاع عن الأمن القومي” للولايات المتحدة ضد “التهديد” المستمر الذي كان يشكله العراق في ظل نظام صدام، ولأجل تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي ذات العلاقة بالعراق اثر غزو دولة الكويت في عام 1990.
وكان آخر من استخدم ذلك التفويض، هو الرئيس السابق دونالد ترامب، حينما أمر بتنفيذ عملية غادرة أدت الى اغتيال كل من نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي الحاج ابو مهدي المهندس، وقائد قوة القدس اللواء قاسم سليماني قرب مطار بغداد الدولي مطلع العام الماضي 2020.
وفي دراسة لها بموقع “ديفينس وان”، تقول الباحثة الاميركية جوليا جريدهيل، “أدت المغامرات العسكرية الاميركية المستمرة الى تزايد حدة المشاعر المعادية للولايات المتحدة، وتنامي جهود التعبئة لدى المجموعات الارهابية، التي تزايدت اعدادها اليوم بمقدار اربعة اضعاف عما كانت عليه في عام 2001”.
وتؤكد الباحثة في دراستها أن “المقاربة الباهظة التكاليف خلال العقدين الأخيرين أسهمت فقط في تضخيم وتوسيع حجم المنظمات الارهابية بدلا من اقتلاعها”، حسب تعبيرها، مضيفة “وبما أننا نمر اليوم في الذكرى الثامنة عشرة للحرب ضد العراق، فإن على الادارة والكونغرس في نهاية المطاف أن يعترفا بأن تلك المقاربة الباهظة التكاليف ضد الارهاب قد فشلت، ويجب أن نبدأ بتصحيح المسار الآن من خلال الغاء قانون AUMF”.
وليست وحدها الآثار والخسائر البشرية والمادية التي خلفتها حروب أميركا في العراق والدول الأخرى، بقيت شاخصة حتى اليوم، وسوف تبقى كذلك لأمد غير منظور، بل إن مشاعر الرفض والعداء لأميركا اتسعت وتنامت الى مستويات عالية جدا، بحيث انها لم تقتصر على شعوب ومجتمعات الدول التي تعرضت للحروب، وانما امتدت الى شعوب اوروبا، والشعب الاميركي كذلك.
كل ذلك وغيره، يعد من النتائج والمعطيات المتوقعة، لأن واشنطن عملت على تأسيس معادلات سياسية قلقة في العراق تحديدا، ارتكزت على معايير طائفية وقومية ومذهبية، ساهمت في ايجاد مناخات سياسية متأزمة ومتشنجة على الدوام، سادتها الصراعات الحادة على مواقع السلطة والهيمنة والنفوذ، واُريد لها أن تكون بشكل أو بآخر بمثابة أرضيات لتمرير أجندات ومشاريع التفتيت والتقسيم، وفق ما طرحه الرئيس الاميركي الحالي جو بايدن، حينما كان يشغل موقع رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الاميركي قبل حوالي خمسة عشر عاما، وكذلك ما تناولته ونظرت له العديد من مراكز الابحاث والدراسات الاستراتيجية الأميركية طيلة الأعوام التي سبقت الاطاحة بنظام صدام، وبعد ذلك ايضا.
ولعل أجندات ومشاريع تقسيم العراق لا تخرج عن سياق المخططات التي تستهدف اعادة رسم خرائط المنطقة بما يضمن أمن الكيان الصهيوني ويحافظ على المصالح الإستراتيجية الأميركية، وكذلك يطوق ويحاصر جبهة المقاومة عبر محاصرة ايران وتضييق الخناق السياسي والاقتصادي والأمني عليها، لصالح تعزيز قوة ومكانة حلفاء واشنطن واتباعها، ومن تلك المشاريع والمخططات، الشرق الأوسط الكبير، و”صفقة القرن”، وما اطلق عليه “الاتفاق الابراهيمي” في اشارة الى اتفاقيات التطبيع الأخيرة بين الكيان الصهيوني من جهة، وبعض الأنظمة العربية من جهة أخرى.
وبقدر ما تعجز الولايات المتحدة الأميركية اليوم عن تبرير الكثير من أفعالها، سواء في العراق أو غيره، فهي تجد نفسها عاجزة بدرجة اكبر عن اغلاق الملفات التي فتحتها، وايقاف التداعيات السلبية الكارثية التي جعلتها تبدو ضعيفة ومرتبكة ومنبوذة ومستنزفة ومحاطة بالخصوم والاعداء من كل الجوانب والاتجاهات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق