كتابات

فضيحة الإنسانية الأممية.. بين الحديدة وَمارب!

فضيحة الإنسانية الأممية.. بين الحديدة وَمارب!

بقلم || سند الصيادي

منذ ما بعد اتّفاق ستوكهولم، لم تتوقف خروقاتُ تحالف العدوان ومرتزِقته في محافظة الحديدة يوماً واحداً، ما بين محاولة الزحف إلى مناطق سيطرة الجيش واللجان وقصف الأماكن والأحياء السكنية وقتل الأبرياء من المواطنين العزّل، وتدمير ممتلكاتهم ومضايقة تحَرّكاتهم اليومية، وبين إحكام الحصار اللاإنساني على إمدَادات الغذاء والدواء والوقود، بما فيها المساعدات الإنسانية التي يفترض أن تصل إلى أكثر مناطق الصراع حدّةً وَحساسيةً.

وليس ما حدث على مدينة الدريهمي بغائبٍ على أنظار العالم وضميره الإنساني، وإن حرصت دوائرُ القرار الدولي أن تبقي الصورة بعيدًا عن وسائل الإعلام وضجيج أدعياء الحقوق والحريات، رغم ارتقاء تلك الجرائم إلى جرائم الإبادة الجماعية، وحدوث أسوأ واقع يمكن أن يتعرّض له الإنسان في زمن طالما رفع شعارات فضفاضة من الانتصار للحقوق الإنسانية.

لقد ظل القرارُ الدوليُّ ممثلاً بالأمم المتحدة يراقب الوضع عن قرب، وَليت هذه المنظمة وصفت الواقع الإنساني والعسكري كما هو، أَو اكتفت بالتعبير عن القلق أَو حالة الصمت، بل تجاوزت ذلك إلى أن زيّفت الوقائعَ وَأصبحت شريكاً رسميًّا في كُـلّ ما يحدث بأن أصبحت غطاء لكل تلك الجرائم التي يرتكبها تحالفُ العدوان بحق أبناء الحديدة واليمن عُمُـومًا، والشواهد كثيرة، تبرهنها تصريحات وَبيانات وإحاطات مجافية للواقع مخيبة للآمال صدرت من المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث.

حدث كُـلُّ ذلك رغم التزام الطرف الوطني بكافة تعهداته، بما فيها غضه الطرْفَ عن الردِّ على كثير من الخروقات والاستفزازات التي لطالما أرادت إفشال الاتّفاقية، التزام لم تفرضه دوافع الفارق الحادث في الميزان العسكري الذي لم يكن عائقاً أصلاً أمام إرادَة شعبنا في مواجهته لهذا العدوان منذ البداية، ولا حتى؛ لأَنَّ المصلحة تقتضي الحفاظ على هذا الاتّفاق الذي هو مجحف بالمنظور الوطني، ويساوى بين الغازي وصاحب الأرض، وبين الجلاد والضحية، وَإنما كحالة قيمية منتهجة في أدبيات الموقف الوطني الجانح للسلام والموفي بالتعهدات، وَكرسالة متعددة الأبعاد أثمرت نتائجها في إقامة الحجّـة، وَكشف المخطّطات البريطانية الأمريكية الإسرائيلية الساعية إلى احتلال سواحل وجزر اليمن، وَإشهارها على رؤوس الأشهاد داخليًّا وَخارجيًّا.

لقد عرّى الموقفُ الوطني المنظومةَ الأممية في الحديدة مرتين، مرة بأنها لم تحمِ الاتّفاقات التي رعتها وَأبرمتها مع الأطراف في السويد، ولم تفِ بالتزاماتها بتحييد الجانب الإنساني، كما لم تفعل في الجانب الاقتصادي، ومرة بأن أُسقط منها قناع الإنسانية والحياد الإيجابي وَظهرت كجزء من المؤامرة، وَكأحد أسواط قوى الهيمنة العالمية والعدوان على اليمن، والتي يجلد بها ظهر الإنسان اليمني عقاباً على تطلعاته المشروعة، وَكمساندة لخطط وَأجندة مشروع قوى العدوان الذي لم يستطع تحقيقَها بالقوة العسكرية، وَليس تهديداتها بوقف المساعدات بالتزامن مع موقفها حول مارب والمتناقض تماماً مع واقعها وواقع الحديدة، إلَّا دليل يؤكّـد حقيقة النوايا بقدر ما يدعو إلى التندر والسخرية.

إذ أنه وَبعد الانتصارات التي حقّقها الجيشُ اليمنيُّ شمال شرق البلاد، وبعد أن بات الرجالُ البواسل على مشارف المدينة، ظهر القلق وَالاهتمام الأممي وَتعالت التصريحات الحريصة وَالمخاطر المضخمة وَالمبالغ فيها عن تبعات استعادة المدينة على الوضع الإنساني، وتحَرّك المبعوث الأممي وَالإدارة البريطانية والأمريكية لإدانة الجانب الوطني، وَخلفهم تحَرّكت شاشاتُ الفضائيات ووكالات الأنباء، ليس انتصاراً للإنسانية التي يفتقدونها، وَالتي يراعيها أصلاً الرجالُ في كُـلّ معركة وَيضعونها في سلّم أولوياتهم، ليس تجاه أبناء شعبهم وحسب بل وَحتى تجاه شعوب دول العدوان، وإنما؛ لأَنَّ مارب مثلت جغرافيتها ساحةَ تجنيد رئيسية لقوى العدوان ونقطة انطلاق لغزو بقية مناطق البلاد، وَاستعادتها يعني فشل المشروع الصهيوأمريكي وضربة قاصمة في خاصرة أطماعه باليمن.

إن ما يزيد من فضح المساعي الأممية أن مارب كجغرافيا صراع لم تكن قضيتها حاضرة في تفاهمات السويد كما كانت الحديدة والملفات الاقتصادية والإنسانية الأُخرى، وَكانت في ذلك الوقت قوى العدوان وَجحافل مرتزِقتها قد وصلت منها إلى مشارف صنعاء تهدّد وترعد بساعة الصفر وَدك صنعاء حجراً حجراً، دون أن يثير ذلك الحدث مخاوف غريفيث ولا منظمته الأممية عن الواقع الإنساني المحتمل لأكثر من 5 ملايين مواطن يقطنون العاصمة.

وبعيدًا عن استحضار المزيد من الشواهد، نؤكّـد أن الانتصارَ للإنسانية المظلومة والمغيبة دوليًّا في اليمن، لن يحدث إلَّا بانتصار المشروع الوطني، وبما يحقّقه رجال المؤسّستين العسكرية والأمنية من انتصارات على مختلف الجبهات، وخُصُوصاً ما حدث مؤخّراً من فكٍّ لحصار مدينة الدريهمي وإنهاء معاناة أهلها المتفاقمة من 3 سنوات، ليس ذلك إلَّا أُنموذج لواقع من راهن على الله وقضية شعبه، وبأن السلام ليست هبة تمنح إذَا لم يكن وراءه رجال تقاوم بعزم وإصرار وإيمان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق