بـأقـــلامـــهـم

البلطجة والبلطجية

رؤية نفسية للبلطجة
إذا كانت المجتمعات تنظر إلى البلطجة على أنها نوع من أنواع السلوك المستهجن والمرفوض كان طبيعيا أن تلقى نوعا من الاهتمام بين علماء النفس وخبراء السلوك حتى أنهم يرون أن الظاهرة ليست جديدة? بل إن لها جذورا اجتماعية? وتحدث بنسب متفاوتة في مختلف مجتمعات العالم? وهي بالنسبة لمجال الطب النفسي أحد أنواع الانحرافات السلوكية التي تحدث نتيجة الاضطراب في تكوين الشخصية سواء الفردية أو القومية والتي تحتاج إلى التكوين السوي للصفات الانفعالية والسلوكية التي تشكل الشخصية في وقت مبكر? وتتصف بالثبات والاستقرار.
ويرى علماء النفس والسلوك أن هذا الاضطراب? قد يتحول إلى نوع من الانحراف والجنوح? وهو الذي يطلق عليه في علم النفس “الشخصية المضادة للمجتمع”.
ولعل في هذا المصطلح وصف لما يحدث من خروج على قوانين المجتمع وعدم التوافق مع الآخرين? والاصطدام بالقوانين الاجتماعية والأعراف العامة? وهو ما يوصف أيضا بالشخصية السيكوباتية التي قد تمارس أفعالا?ٍ? من بينها البلطجة.
والبلطجة لا ترتبط -بالضرورة– بالعنف? فالبلطجي أحيانا?ٍ لا يكون في حاجة إلى إيذاء الآخرين للحصول على ما يريد أو فرضه بالقوة? بل قد يكون م?ِكمن?ْ قوته ظروفا نسبية معينة? مثل سوء استغلال أصحاب رأس المال للعمالة بسبب ظروف السوق والبطالة? فهذا نوع من البلطجة? وأحيانا ترتبط البلطجة بحالة من استدرار العطف مثل المتسول الذي يد?عي المرض والحاجة حتى يبتز أموالك.. فهذا أيضا نوع من البلطجة المعنوية التي تستخدم تكتيكا?ٍ عاطفيا?ٍ.
وفي نهاية المطاف توجد بالطبع البلطجة المرتبطة بالعنف? وهي التي تعتمد على التلويح بالقوة بشكل أو بآخر لإلحاق الأذى بالآخرين? وغالبا لا يحتاج البلطجي لاستعمالها بشكل سافر? إذ يكفي التلويح بها أو استعمالها مرة واحدة ليصير المتضرر مثالا?ٍ يدفع الآخرين للخنوع.. مثال على ذلك المفسدون الموجودون في بعض الأحياء العشوائية وأمام ساحات الجامعة وعلى أسطح المنازل المجاورة لساحات الاعتصام كنموذج لبلطجة الأفرادوالأحزاب التي تريد فرض وصايتها على الوطن بالقوة البلطجة الشائعة -إذن- هي ذلك النوع الذي يعتمد على القوة? سواء كانت القوة البدنية على مستوى الأفراد? أو القوة العسكرية على مستوى الدول والجيوش.. وهذا النوع يعتمد على التلويح بالقوة? وفي أحيان كثيرة استعمالها.
وهذا النوع من البلطجة يفكر فيه البلطجي بقوته المادية? وينظر إلى عضلاته وقدرته على البطش.. كما تنظر الدول إلى قواتها العسكرية بأنواعها البرية والبحرية والجوية والنووية? ومن هذا المنطلق يكون الأضخم جسدا والأطول قامة هو البلطجي أو الأصلح للقيام بدور البلطجي
والعنف كما ذكرنا ليس شرطا في ممارسة البلطجة بصفة مستمرة? فقد يكفي البلطجي أن يرتكب أفعالا عنيفة مرة واحدة لكي يهابه الناس ويخافونه? ويتجنبون الاحتكاك به? بل ويخضعون لكل ما يطلبه? وعلى مستوى الإعلام نلحظ دورا?ٍ سلبيا?ٍ في تمرير ثقافة العنف من خلال مشاهده خاصة في مشاهد الأفلام? ولأن الأسرة لم تعد تقوم بدورها في تنشئة الأبناء التنشئة الصحيحة? فقد صار الأبناء كورق الشجر تتقاذفه الرياح? فهم يتلقون قيمة من هنا وقيمة من هناك? فهم يقضون وقتهم أمام التلفزيون.. بل نلاحظ ما هو أكثر من هذا? وهو حرص الأسر على تنشئة أبنائها على العنف اعتقادا بأن ذلك يجعلهم أقدر على مواجهة الحياة? ولا ننسى ما أصبح شائعا في الأسرة من خلافات بين الآباء والأمهات يتبادلون خلالها العنف اللفظي أو الجسدي? وهذا درس هام بالنسبة للأبناء يتلقونه عن طريق الملاحظة.
وبالنسبة للعامل الثقافي فإننا نلاحظ أن ثقافة اليوم تعتمد العنف وسيلة لحل المشكلات.
ومن هنا نجد أن أخطر أنواع البلطجة تلك التي لا ترتبط بالعنف بالضرورة? بل تستخدم أساليب أخرى مثل وسائل الإعلام والتلويح بالقوة? فهو في النهاية يجعلك تفكر كما يريد? ويحصل منك على ما يريد? وفي حالة فشله لا يتورع عن استخدام أسلوب العنف المباشر.
ومقاومة البلطجي ليست بالأمر الهين? فهي تحتاج إلى إعداد ثقافي محوره: “لا تخش?ِ أحد?ٍا إلا الله”? وجماعة اجتماعية وشعوب?ٍا وأمة لا تقبل تهديدات ولا “عروض” البلطجي (سياسات العصا والجزرة). ثقافة المقاومة قوامها الفرد المؤمن الواثق القوي المناضل في سبيل الحق والعدل? فيكون لدينا مجتمع قادر على المقاومة والانتفاض والصمود الصابر? ولعل من أولى خطوات مكافحة البلطجة بمستوياتها التحرر من ثقافة البلطجي ذاته التي قد يستبطنها من يمارس عليه البلطجي إرهابه? فيركن للخنوع? ويخضع لأسطورة القوة التي لا ت?ْقهر.
وفي الدراسات النفسية التي تقوم على الفحص النفسي لشخصية هؤلاء المنحرفين أو البلطجية? فإن المظهر العام يبدو هادئا مع تحكم ظاهري في الانفعال? غير أن الفحص النفسي الدقيق يظهر وجود التوتر والقلق والكراهية وسرعة الغضب والاستثارة لدى هؤلاء الأفراد? وهم لا يعتبرون من المرضى النفسيين التقليديين? ولا يعتبرون مثل الأسوياء أيضا? بل هي حالات بينية

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق