بـأقـــلامـــهـم

“البراءة لا تشيخ”

اعتذار الدكتور مصطفى الفيلالي عن تولي رئاسة الحكومة في تونس بعد أن توافقت على اسمه كل الأطراف المعنية? وتأكيده على ضرورة إفساح المجال أمام الأجيال الشابة لتولي المسؤولية? لم يكن مفاجئا?ٍ لكل من يعرفه ويقد?ر مكانته كمثقف كبير حريص على أن ينسجم مع نفسه ومع قناعاته دون رضوخ لترهيب أو انزلاق مع ترغيب.

ففي رحلة عمرها 23 عاما?ٍ جمعتنا معه في المؤتمر القومي العربي منذ أن شارك في تأسيسه عام 1990 في تونس? حتى اليوم? كان الرجل الكبير مدرسة في حكمته والتزامه وصدقه وثقافته وتواضعه بعيدا?ٍ عن مصالح وإغراءات كثيرا?ٍ ما تهتز? معها صورة المثقف? فجاء توافق السياسيين والنقابيين التونسيين على اسمه تعبيرا?ٍ عن نصاعة الرجل وسلامة مواقفه وقدرته على التواصل مع الجميع دون انحياز أو توتر أو انفعال? ثم جاء اعتذاره عن قبول المنصب الرفيع تأكيدا?ٍ لتلك الصفات? وتأسيسا?ٍ لثقافة الترفع عن المناصب والحقائب التي بات الصراع المؤذي عليها يفس?ر الكثير من أمراض واقعنا الأليم ومحنه.

في اتصال معه عقب اعتذاره? هنأته مرتين? مر?ة لأنه الرجل الذي حظي بتوافق التونسيين وإجماعهم في وقت بدأ فيها استحالة اتفاق قياداتهم على أمر? أي أمر? مهما كان صغيرا?ٍ? لتزاحم الأجندات الداخلية والخارجية على مواقع النفوذ في تونس.

وهنأت السي الفيلالي ثانيا?ٍ? كما يحب??ْ أن نسميه? لأنه أبدى تمنعا?ٍ عن قبول المنصب الرفيع? وأن كنت لا أوافقه في سبب اعتذاره.? وهو السن.

التهنئة سببها أنه ما زال بين شخصياتنا العامة رجال قادرون على الاعتذار عن قبول مناصب رفيعة? فيما كثيرون غارقون في اللهاث وراءها? أما الاعتراض فمرد?ه إلى أنني أعتقد أن بلادنا التي تعيش في معظمها مراحل انتقالية حس?اسة تريد في المناصب العليا رجالا?ٍ يتمتعون بالحكمة والتجربة والخبرة الممتد?ة على عقود من الزمن? بحيث تأتي قراراتهم متوازنة ومتزنة ومحص?نة بوجه الانفعال والارتجال.

ضحك السي الفيلالي من اعتراضي? وأجابني بكلمات مغم?سة بتواضع النبلاء “البركة بالشباب”? ومضى يجهز نفسه ليلقي كلمة الافتتاح في ندوة حول “السينما العربية” ينظمها مركز دراسات الوحدة العربية الأربعاء القادم في فندق “لورويال – الحمامات – تونس” بصفته عضوا?ٍ في مجلس أمناء المركز منذ سنوات طويلة.

لم أصدق أن السنوات والعقود قد أبعدت أمثال الفيلالي عن سن الشباب? ولا أبعدت الشباب عنهم وهم يملأون الدنيا من حولهم حياة وحيوية? عطاء?ٍ ونشاطا?ٍ “فالبراءة لا تشيب” كما قال مر?ة الفنان التشكيلي العالمي الكبير ليونارد دافنشي.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق