كتابات

رسالة إلى الحبيب

أبي الحبيب : في أربعينية فجيعتي برحيلك والألم الذي ما زال يعتصر قلبي من يوم فقدتك وأيقنت أنه لم ما من يوم يجمعنا سوى يوم التلاق , ها أنا أحاول جاهدا?ٍ استجماع قواي للكتابة عن مكنون قلبي ومحتوى صدري الم?ْثقل بالأن??ِات الموجعة .

إنك ما علمت حجم الكارثة التي نزلت علي??ِ لا ت?ْبارح ساحتي ولا تغادر الموقع الذي احتللته بمكنون فؤادي مذ عرفتك أبا?ٍ وحتى ينزل بي ما نزل بك .

فقيدي الغالي : في أربعينية الرحيل التي أجرت دموع أحبتك – وما أكثرهم – على خدودهم وأسالت القذى على عيونهم , وأشجت قلوبهم وتركتهم حيارى مذهولين , وما زلت تعيش حيا?ٍ خالدا?ٍ في نفوسهم تأبى قلوبهم أن تغفل عنك .

أبي الحبيب : لئن عشق قلبي يوما?ٍ بشرا?ٍ من خلق الله فإنما هو أنت , ولئن تاه ل?ْب??ي بإنسان فلن يكون سواك , ولئن أحب فؤادي مخلوقا?ٍ فلن يكون غيرك , ولئن عاش قلبي يحمل الذكرى العطرة فلن تكون سوى ذكراك , ولئن أغرم بمحبوب فما هو إلا أنت , ولئن ت?ْي??م قلبي بمعشوق فما هو غيرك , ولئن رفض صدري أن يخلع شيئا?ٍ من محتواه فما هو إلا حبك , تأبى عليه أبوتك المنغرسة في صميمه أن يحل بديل?َ غيرك .

حب?َ بحب :

أبي : يا أعظم من في كوني وحياتي وأجمل ما في الكون وأفضل ما في الحياة :

أحببت أولادك بشغف فأحبوك بجنون , أحببت أحفادك بجنون فأحبوك بفنون الجنون , أحببت أسرتك فأحبوك ? أحببت جيرانك فأحبوك , أحببت الناس فبادلوك الحب بحب يفوق الوصف , أحببت الأرض فأحبتك , أحببت العمل فتاه بحبك , أحببت البساتين والأشجار فأحباك ? أحببت الحيوان والطير فما عشقا مثلك , فارقتنا في موسم الخريف وذكراك من ذكراه وصفاؤك من صفائه وطيبك من طيب ثماره .

أربعون يوما?ٍ :

أربعون يوما?ٍ مضت كأنها الدهر كله ? الدنيا ظ?ْلمة دون منارتك ? فقدنا فيها حنانك ورأفتك وحبك وعطفك , أشتاق للحلم وأنتظره بلهفة من أجل رؤيتك ? وأسعد سعادة الكون حين تبادرني ابتسامتك ? وأحزن حين أعيش واقع فقدانك وأصحو من حلمي وأنت غير موجود . رحلت باكرا?ٍ وتركتنا مفجوعين نستأنس بص?ْو?ِر?ك التي ملأجت جدران منازلنا .

إليك إليك :

إليك يا عيني الأخرى التي أرى بها نور الحياة وألوانها الزاهية ? إليك يا من رفضت تعبي وسعيت لراحتي .

يا من شاركتني فرحي وحزني وحملت همي ومسئوليتي , وتحم??ِلت خطأي وزللي .

يا من تمنيت لي النجاح في حياتي ? وأسعدتك كتاباتي وزاد فخرك بي كلما سمعت مدحا?ٍ أو ثناء?ٍ على شخصي .

إليك أبي .. أ?ْقد??م اعتذاري عن كل ما ساءك مني في صغري وشبابي ? سامحني على إساءتي الأدب معك – وما أكثر إساءاتي في حقك – ? سامحني على رفعي الصوت عليك في لحظات الغضب – وما أكثر غضبي – أقرأ قول ربي جل وعلا ” ولا تقل لهما أف??ُ ولا تنهرهما وقل لهما قولا?ٍ كريما?ٍ . واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ” فيرتجف قلبي وتنهمر الدموع من عيني??ِ فلا أجد سوى القول ” رب ارحمهما كما ربياني صغيرا?ٍ ” .

رحلت عن دنيانا قبل أن نطلب منك الرضا والسماح , وأنت من طلب منا السماح ولا أدري علام السماح ?

أعذرني .. صد??قني .. لا يخطر ببالك أنني بلا مشاعر ? أقسم أن حبك يعيش بداخلي , وقدرك العالي لن يفارق قلبي , فيا ت?ْرى هل يشفع ذلك لي ?

يا أغلى من ولدي ونفسي :

فقدك زاد همومي ? ورحيلك أضاع فرحي , وقتل البسمة في شفتي??ِ , وأضاع حس??ي , أشعر بخوف غريب فدعاؤك كان البلسم لكل أوجاعي , وفي مقابلها أسأل الله أن يلهمنا الصبر .

أبي .. مذ فارقتنا وتركت لنا الدنيا , شعرنا بالعمى بعدك .

الله .. ما أقسى وداعك فلقد رأيت دموعا?ٍ تحرق الخد??ِين ? وجراحا?ٍ نازفة تدمي القلوب ألما?ٍ وفجيعة في عيون وقلوب مشيعيك , أما نحن فكنا مذهولين .

ها نحن نذكرك يا عظيم الذكرى حتى شكت الذكرى من كثرة ذكرنا لك ولذكراك , ونفتقدك كفقدان الجسد للروح ألما?ٍ من عدم رؤياك .

ماذا ينفع الكلام يا أبتي وقد اختارك الله لق?ْربه , ما ينفع الندم على لحظات يعتصرنا فيها الألم إذ لم تسمح لنا بتقبيل قدميك , ولكن .. لعل الدمع ي?ْخرج بعض الحزن من قلبي .

وأستعذب مرثاة من رثى والده فقال :

كل القلوب بكت? عليك

وأنت يا أبتي جدير

أرحلت يا أبتي الحبيب ??

كل??ْ النجوم تسابقت نحوي

تزف??ْ لي العزاء?

والبدر مد??ِ إلي??ِ كف??ِا?ٍ من ضياء?

والليل هز??ِ ثيابه

فانهل??ِ من أطرافها حزن?ْ المساء

تتساءل المرزوق يا أبتي الحبيب

ما بال عين? الشمس ترمقنا

بأجفان الغروب?

وإلى متى تمتد??ْ رحلتك الطويلة?ْ يا أبي

ومتى تؤوب??

وإلى متى تجتث??ْ فرحتنا

أعاصير الخطوب

هذا لسان الط??ِل?? ي?ْنش?د?ْ للربا

لحن البكاء?

ما زلت?ْ – يا أبتي – أصارع حسرتي

وأسد ساقية الدموع?

أهوى رجوعك يا أبي الغالي

ولكن? .. لا رجوع?

إن م?ْت??ِ يا أبتي

وفارقت الوجود?

فالموت?ْ فاتحة الخلود? .

خطيب وإمام الجامع الكبير بالروضة – صنعاء
المدير التنفيذي لم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق